قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨٨ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
غير أن يؤذن لهم و يقول: ذكرتموني أخلاق قوم مضوا هكذا كنا. قال: و كنا ندخل على أبي سليمان الداراني، فيقدم إلينا الطيّبات و لا يأكل معنا و يقول: إنما خبأته لكم فقلنا: تطعمنا الشهوات و لا تأكلها فقال: لا آكلها لأني قد تركت أكلها، و أقدمها إليكم لأني أعلم أنكم تشتهونها و قال: كنا نبايت إبراهيم بن أدهم في المصيصة. و في قرى السواحل، فكان يكسر لنا الصنوبر و البندق و اللوز ليله أجمع و يقول: كلوا فقلنا: لو أقبلت على صلاتك و تركت هذا فيقول: هذا أفضل، و كان بعض الناس يفجؤه الضيف، فلا يكون عنده ما يقدمه إليه، فيذهب إلى منزل أخيه، فيأخذ خبزا و قدرا قد كان طبخها، فيحمله إلى ضيفه، فيلقاه أخوه بعد ذلك فيستحسنه منه و يأمره بفعل مثل ذلك في كل نائبة. و قال بعض العلماء: إذا عمل الرجل في منزل أخيه أربع خصال فقد تم أنسه به إذا أكل عنده، و دخل الخلاء و نام و صلّى، فذكرت هذه الحكاية لبعض أشياخنا فقال: صدق، بقيت خصلة قلت: ما هي قال: معها و جامع فإذا فعل هذا فقد تم أنسه به، لأن هذه الخمس لأجلها يتخذ البيوت، و يقع الاستخفاء لما فيها من التبذل و العورة، و لولاها كانت بيوت الله سبحانه أروح و أطيب، ففي الأنس بالأخ و ارتفاع الحشمة من هذه الخمس، مثال حال الأنس في الوحدة بالنفس من غير عيب من عائب و لا ضد لكن من اتفاق جنس، و هذا لعمري نهاية الأنس ذاتا، فأما الخامسة، و هو قول شيخنا و جامع، فعلى ذلك يصلح أن يستدل له بقول العرب في تسليمهم و ترحيبهم: مرحبا و أهلا و سهلا أي لك عندنا مرحب، و هو السعة في القلب و المكان، و لك عندنا أهل تأنس بهم بلا وحشة منا، و سهلا أي لك عندنا سهولة، ذلك يسهل علينا و لا يشتد فهو سهولة اللقاء و سهولته من الأخلاق في الالتقاء، و اعلم أنّ للناس في التعارف سبع مقامات بعضها فوق بعض، فأوّل ذلك المعرفة عن الرؤية أو السمع فقط، فلهذا حرمة الإسلام و حق العامة، ثم المجاورة و له حق الجوار، و هو ثاني حقوق الإسلام، و هذا هو الجار الجنب، ثم المرافقة في طريق أو سفر و هذا هو الصاحب بالجنب في أحد الوجهين من الآية، فلهذا ثلاثة حقوق لأنه قد جمع حرمة الإسلام و حرمة الجواز و زاد عليها بأنه ابن سبيل، ثم الصحبة و هي الملازمة و الاتباع، فهذا فوق ذلك، ثم الصداقة و هي حقيقة الأخوة، و معها تكون المعاشرة و هو اسم تكون معه المخالطة، و توجد فيه المؤانسة، و هو يحكم بالمزاورة و المبايتة و المؤاكلة و هذا جملة العشرة، فالمعاشرة مأخوذة من العشير، و هو الخليط المقارب، و لذلك سمي الزوج عشيرا في قول النبي صلى الله عليه و سلم: و يكفرن العشير، و قد قال الله عزّ و جلّ في تسمية المعاشر و في قربه: لَبِئْسَ الْمَوْلى وَ لَبِئْسَ الْعَشِيرُ [الحج: ١٣]. يعني ابن العم المختلط به، فقيل منه