قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٢٠ - ذكر أخبار جاءت في التقلل و الحمية و ذم البطنة
عندنا بالحجاز لبعض الأعراب: أخبرني بما تأكلون و ما تدعون. فقال: نأكل ما أدب و درج إلّا أم حنين فقال المدني: ليهن أم حنين منكم العافية. و في الخبر أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم رأى صهيبا يأكل تمرا و به رمد فقال له: تأكل التمر و أنت رمد؟ فقال: يا رسول الله إنما آكل بهذا الشق الآخر يعني جانب العين السليمة. فضحك رسول الله صلى الله عليه و سلم. ذكر أخبار جاءت في التقلل و الحمية و ذم البطنة في حديث إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم قال: قال أبو الدرداء: بئس العون على الدين قلب نجيب و بطن رغيب و نعظ شديد نجيب، يعني خفيفا ضعيفا، و رغيب يعني واسعة طامعة. قيل لبعض الحكماء: أي الطعام أطيب؟ قال: الجوع أعلم، أي به يطيب الطعام: كما قيل: نعم الإدام الجوع ما ألقيت إليه قبله. قال العتبي: قال عبيد الله لرجل من أهل الدمينة: يا أخي إني لأعجب أنّ فقهاءكم أظرف من فقهائنا، و عوامكم أظرف من عوامنا، و مجانينكم أظرف من مجانيننا. قال: فتدري لم ذاك؟ قلت: لا. قال: الجوع أ لا ترى أنّ العود إنما صفي صوته من خلوّ جوفه؟ يقال دعا عبد الله بن الزبير الحسن بن عليّ رضي الله عنهم فحضر هو و أصحابه فأكلوا و لم يأكل هو فقيل له في ذلك. قال: إني صائم. و لكن تحفة الصائم قال: و ما هي؟ قال: الدهن و المجمرة. و كذلك يقال: الكحل و الدهن أحد القرابين و اللبن أحد اللحمين و الفاكهة. و الحديث للضعيف أحد الضيافتين، فيستحب لمن كان صائما فحضر و لم يأكل أن يطيب و يحيي فذاك زاده. روي أنّ عبد الرحمن بن أبي بكر كان على خوان معاوية فرأى معاوية لقم عبد الرحمن، فلما كان بالعشي راح إليه أبو بكرة وحده فقال له: ما فعل ابنك التلقامة؟ قال: اعتلّ. قال معاوية: مثله لا يعدم العلّة، و قيل لأبي بكرة: إنّ ابنك أكل حتى بشم. قال: لو مات ما صلّيت عليه. و يقال للبشم سكر كسكر الخمر. و سئل الحارث بن كلدة طبيب العرب: ما الدواد الذي لا داء فيه، فقال: هو اللازم، يعني الحمية. و قيل لجالينوس: إنك تقلّ من الطعام فقال: غرضي من الطعام أن آكل لأحيا و غرض غيري من الطعام أن يحيا ليأكل. و يقال: ما أدخل الإنسان جوفه أنفع من الرمان و لا أضرّ من المالح، و لأن يتقلّل من المالح خير من أن يستكثر من الرمان، هذا لذّم الاستكثار و إن كان مما ينفع، و مدح القلّة و إن كان ما يضرّ، حدثت عن عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب بن منبه قال: قال لابنه: يا بني إن طول الجلوس على الخلاء يرفع الحرارة إلى الرأس و يورث الباسور و يفجع له الكبد، اجلس هوينا و قم. قال: حكمه على باب الحش. و يقال: سأل الحجاج جلساءه: ما أذهب الأشياء للإعياء؟ قالوا: أكل التمر. و قال بعضهم: الحمام. و قال بعضهم: الجماع. و قال