قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٣٠ - ذكر الاستثناء في الإيمان و الإشفاق من النفاق و طريقة السلف في ذلك
منصور بن زاد: إن كان الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم إذا سئل قال: أنا مؤمن إن شاء الله. و قال أبو وائل: قال رجل لابن مسعود: لقيت ركبا فقالوا: نحن المؤمنون فقال: ألا قالوا نحن من أهل الجنة؟ و قال بعض أصحاب عبد الله لرجل: أ مؤمن أنت؟ قال: نعم. فذكر ذلك لابن مسعود فقال: سلوه أ من أهل الجنة أنت؟ فقال: أرجو. فقال: ألا رجيت الأولى كما رجيت الثانية. و نقش ابن لبعض التابعين على خاتمه: فلان لا يشرك باللَّه تعالى شيئا فقال أبوه: هذا أقبح من الشرك. و قال بعض السلف: أقرب الناس من النفاق من يرى أنه أبعدهم منه عند نفسه. و في الخبر: أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم كان جالسا في جماعة من أصحابه فذكروا رجلا و مدحوه و أحسنوا الثناء عليه، فبينا هم كذلك إذ طلع عليهم الرجل يقطر وجهه ماء من أثر الوضوء قد علق نعليه بيديه و بين عينيه أثر السجود فقالوا: يا رسول الله هذا هو الرجل الذي وصفنا لك آنفا. فلما نظر إليه صلى الله عليه و سلم قال: أرى على وجهه سفعة من الشيطان، يعني ظلمة. فجاء الرجل حتى سلم و جلس مع القوم فقال له النبي صلى الله عليه و سلم: نشدتك الله هل حدثت نفسك حين أشرفت على القوم أنه ليس فيهم خير منك؟ فقال: اللهم نعم. في الحديث: من قال إني مؤمن فهو كافر، و من قال إني عالم فهو جاهل، و من قال إني في الجنة فهو في النار. و علّم رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا بكر الصديق رضي الله تعالى دعاء قال: قل فيه: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك و أنا أعلم، و أستغفرك لما لا أعلم. و جاء في الخبر: الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا. و كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه و سلم: إني أستغفرك لما علمت و ما لم أعلم. فقيل له: أ تخاف يا رسول الله؟ قال: و ما يؤمنني و القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. و قال الله تعالى: وَ بَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧]. قيل: عملوا أعمالا ظنوا أنها حسنات، فلما كان عند الحساب و الميزان وجدوها سيّئات. و قيل كانت هذه الآية مبكاة العابدين. و قيل في معنى قوله تعالى: وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا [الأنعام: ١١٥]. و قيل: صدقا لمن مات على الإيمان و عدلا لمن مات على الشرك كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَ لَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [يونس: ٩٦- ٩٧]. و قال سبحانه: وَ لَهُمْ أَعْمالٌ من دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ [المؤمنون: ٦٣]. و قال: يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ من الْكِتابِ [الأعراف: ٣٧]. و قال: وَ إِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ [هود: ١٠٩]. و قال: وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: ٤١]. و قال: لا يَعْلَمُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله [النمل: ٦٥]. فالاستثناء في الإيمان هو من الإيمان، و الاستثناء في كل شيء من