قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٢ - الفصل السابع و الثلاثون في شرح الكبائر التي تحبط الأعمال و توبق العمال و تفصيل ذلك و منازل أهلها فيها و مسألة محاسبة الكفّار
و قد جاء في الخبر: آخر من يخرج من النار و هو أيضا آخر من يدخل الجنة. فلعله و الله أعلم بعد سبعة آلاف سنة فيعطى من الجنة مثل الدنيا كلها عشرة أضعاف. رواه أبو سعيد و أبو هريرة رضي الله تعالى عنهم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: و معنى الحكمة في إدخال البشر إلى النار على ترتيب الكون أنهم خلقوا من ماء ثم خالطه ما امتزج به من الأهواء فلا يستخرج ذلك إلّا بالنار، فإنها تخرج الماء مما مازجه حتى يخلص، و أنهم أيضا خلقوا من تراب الأرض بمنزلة الخشب المعوجّ يقوم بالنار حتى يستقيم، ثم يقطع عنه النار و يستقيم ذلك فعندها يصلح لغير النار و موضع الحكمة في تخليد الكافرين و الشياطين في النار أنّ أرواحهم خلقت من جوهر النار فرجعت إلى معدنها، و هي أيضا سوداء مظلمة نارية، و هم أيضا خلقوا لها لا يصلحون لغيرها بمنزلة الحطب و الشوك و الحراق الذي لا يصلح إلّا للنار. فتبارك الله تعالى حكمته معتدلة في الأشياء و حكمه غامض فيها، ينظر بعين التعديل فيقسم بها المقادير بمعاني التنقيص و التفضيل. و مجمل ما ذكرناه أنّ كل وصف يكون للعبد من الخير كفر عنه سيّئاته، فإن نوافله ساقطة و كل وصف يكون له من الشرّ لا يحبط نوافله، فإن نوافله موفرة ثابتة و من كان عاملا للحسنات و هو في ذلك يرتكب بعض الكبائر فإن أعمال برّه و فضائله موقوفة إلى التوبة، فإن تاب و استقام كفرت توبته ما سلف من كبائره و بدلت استقامته على الطاعة سيّئاته حسنات. و أكثر ما يوبق الناس من الكبائر المظالم، و أكثر ما يدخلهم النار ذنوب غيرهم إذا طرحت عليهم و كثير يدخلون الجنة بحسنات غيرهم إذا طرحت عليهم لأنها صحيحة ثابتة، و قد تبطل حسناتهم لدخول الآفات عليها. بلغني عن أبي عبد الله بن الجلاء أنّ بعض إخوانه اغتابه ثم أرسل إليه ليستحلّه فقال: لا أفعل، ليس في صحيفتي حسنة أفضل من حسناته، أريد أن أزين صحيفتي بها. و في الحديث: ذنب يغفر و ذنب لا يترك، فالذنب الذي يغفر ظلمك نفسك، و الذنب الذي لا يترك مظالم العباد، و التوبة طريق الكل، و الرحمة تسعهم، و باب التوبة مفتوح للكافة إلى طلوع الشمس من مغربها. و كل عبد توبته متقبلة ما لم تبلغ الروح الحلقوم و لم يعاين الملائكة فإذا بلغت الروح التراقي و عاينت الأملاك غلق عليه باب التوبة و مات على الإصرار. و قيل: من راق أي من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ و ظن أنه الفراق أيقن أنه قد فارق الدنيا بمعاينة الآخرة و فارق الناس و الأهل بمعاينة الملائكة، فإن مات عن غير توبة كان ممن قال الله عزّ و جلّ: وَ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ [سبأ: ٥٤] قيل: التوبة كما فعل بأشياعهم من قبل. و لما قال تعالى: وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ