قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٠ - الفصل السابع و الثلاثون في شرح الكبائر التي تحبط الأعمال و توبق العمال و تفصيل ذلك و منازل أهلها فيها و مسألة محاسبة الكفّار
قرينان يعتلجان و يتقاومان في العظم و المعنى بالتضاد. فالكبائر كبرت فكفّر اجتنابها ما دونها من الصغائر، و الفرائض الخمس التي هي أبنية الإسلام إذا تممت كفّرت ما بعدها من السيّئات و ثبت للعبد نوافله و تبدل سيّئاته حسنات فيكون له فضل عظيم يرجى له الجنة و منازل العاملين و هو السابق بالخيرات. قال الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [النساء: ٣١] و قال من بعد الكبائر: إِلَّا من تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: ٧٠] و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: الصلوات الخمس كفّارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر. فالفرائض الأربع التي هي أبنية الإسلام منوطة بالصلوات الخمس، لا تصحّ إلّا بها كالشيء الواحد بمنزلة الأربع. فالصلوات مرتبطة بالشهادتين، إن ترك خصلة منها كان كترك الخمس لأنها أسّ الإسلام و أبنية الإيمان. و اجتناب الكبائر منوط بالشهادتين لا يقع جميع ذلك إلّا بهما، فإذا انتهكت الكبائر أحبطت الأعمال الفرائض الخمس، أحبطت ما بينها من السيّئات إلّا الكبائر، فإنها كبرت فلا تكفرها فلا يبقى للعبد يوم القيامة مع ارتكاب الكبائر من الأعمال إلّا الفرائض الخمس، و قد أكل سائر نوافله ارتكاب الكبائر فيخاف عليه النار و منازل المسرفين و هذا هو ظالم لنفسه و هو الذي حذر الله تعالى المؤمنين عنه قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ [محمد: ٣٣]، و منه قوله تعالى: بَلى من كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ به خَطِيئَتُهُ [البقرة: ٨١] قيل: هي الكبائر أحاطت بجميع حسناته فمحقتها، و على هذا اختيارنا هذا الحرف من مقرانا و على الوجه الآخر و أحاطت به خطيئة هي الشرك الذي ختم له به فلم ينفعه عمل كان قبله، فإن قصر في الفرائض الخمس التي هي مباني الإسلام إلّا أنه مجتنب الكبائر كفّرت عنه سيّئاته كلها، و تممت فرائضه بسائر نوافله لأنّها ثابتة له بعد أن يحصل له صحة التوحيد و يسلم من كبائر البدع التي تنقل عن الملة، و هذا ممن استوت حسناته و سيئاته فيطول وقوفه للحساب و يشاهد الزلازل و الأهوال ليكون ذلك رجحان حسناته و يجعل من أصحاب الأعراف على أعراف السور هي شرفه التي بين الجنة و النار هو الحجاب الذي بين أهل النار و أهل الجنة إلى أن يتفضل الله تعالى عليه بفضل رحمته، فإن سمح له مولاه فعفا عنه سقط عنه هذا كله و أدخل الجنة في أصحاب اليمين، و هذا هو المقصد المتوسط بين الظالم لنفسه و السابق إلى ربه، فإن لم يكن له نوافل مع نقصان فرائضه لم يبق له من أعماله إلّا اجتناب الكبائر فيوزن ما بقي من عمله و هو اجتنابه الكبائر بفرائضه النواقص، فإن رجح اجتناب الكبائر مثقال ذرة أو فضلت له حسنة واحدة، ضاعفها الله تعالى بالمزيد و تجاوز