قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٩ - ذكر إثبات الأسباب و الأواسط لمعاني الحكمة و نفي أنها تحكم و تجعل لثبوت الحكم و القدرة
بعض أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم أنه خطب فقال: ألا إن في إعطاء هذا المال فتنة. و في منعه فتنة، يغدو الرجل إلى ابن عمه فيسأله الحاجة التي قد كتبها الله له فلا يملك منعه فيعطيه ما كتب له فيظل يشكره و يثني عليه بها خيرا، ثم يعود إليه العام المقبل فيسأله الحاجة التي لم يكتبها الله له فلا يملك أن يعطيه كما لم يعطه في العام الأول أن يمنعه فيمنعه ما لم يكتب له، فيرجع فيحتقبها على ذنبا، و يثني عليه بها شرّا، إلا أن في إعطاء هذا المال فتنة و في منعه فتنة، و اللفظ للخبر و لم آل يعني بالفتنة الاختبار و صدق صلى الله عليه و سلم يختبر بذلك الموقنون للخير و الغافلون لينظر كيف يعملون. فأما أهل اليقين فيعتبرون بالأسباب و يعجبون من التسبب فيزدادون بذلك هدى و إيمانا لشهودهم المعطي المانع واحدا في العطاء و المنع. و لمعرفتهم بجريان الحكمة فيما جادت به الشريعة ثبت لهم مقامان: الشكر له و الصبر عليه. و أما الغافلون فيضطربون لذلك و يثبتون بنظرهم إلى الأسباب و الأيدي، فيمدحون المعطين و يذمون المانعين عندهم فينقصون ذلك، فقد صار المال فتنة للفريقين يكشف إيمانهم و تمتحن للتقوى قلوبهم. و كذلك جاء في الخبر: إن العبد ليهمّ من الليل بالأمر من أمور الدنيا من التجارة و غيرها الذي لو فعله كان فيه هلكته، فينظر الله إليه من فوق عرشه فيصرفه عنه فيصبح كئيبا حزينا يتطير بجاره و بابن عمه من سبقني من دهاني و ما هو إلا رحمة رحمه الله بها. و عن ابن مسعود أنه قال: من الإخلاص أن لا تحبّ أن يحمدك الناس على عبادة الله و أن لا تمدحهم على ما رزقك الله. و قد روينا عن عيسى عليه السلام و عن ابن مسعود و غيره: أن من اليقين أن لا تحمد أحدا على ما أعطاك الله و لا تذمه على ما لم يؤتك الله. و قال: «الصبر نصف الإيمان و الشكر نصف الإيمان، و اليقين الإيمان كله». و في حديث الإفك الذي رواه معمر بن أبان عن حمدان الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فقام إليَّ أبواي فقبلاني في صدورهما فقلت بغير حمدكما و لا حمد صاحبكما، أحمد الله تعالى الذي عززني و برأني. و في حديث غيره فقال لها أبو بكر: قومي فقبّلي رأس رسول الله صلى الله عليه و سلم. فقالت: و الله لا أفعل و لا أحمد إلا الله. فقال النبي صلى الله عليه و سلم: دعها يا أبا بكر. فهذه المعاني التي قدمناها تكون من ضعف اليقين، و نقصان المعرفة. فإذا انطوت في سرّ العبد و خلده و كثرت من قوله و فعله أذهبت حقيقة الإيمان، كما قال عبد و أن العبد ليخرج من منزله و معه إيمانه فيرجع إلى منزله و ليس معه من إيمانه شيء يلقى الرجل لا يملك له ضرّا و لا نفعا، فيقول إنك لذيت و ذيت. و يلقى الآخر كذلك حتى يرجع إلى منزله. و لعله لم يخل منه بشيء و قد أسخط الله عليه.