قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٦٨ - الفصل الثامن و الثلاثون في الإخلاص و شرح النيّات و الأمر بتحسينها في تصريف الأحوال و التحذير من دخول الآفات عليها في الأفعال
اتقى الشرك و الجهل و الهوى، فعمله مرفوع في الخزائن مدّخر له الجزاء و حقيقة الإخلاص سلامته من وصفين، و هما: الرياء و الهوى، ليكون خالصا كما وصف الله تعالى الخالص من اللبن. فكان بذلك تمام النعمة علينا. فقال: من بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً [النحل: ٦٦]، فلو وجد فيه أحد الوصفين من فرث أو دم لم يكن خالصا، و لم تتم النعمة به علينا و لم تقبله نفوسنا. فكذلك معاملتنا للَّه عزّ و جلّ إذا شابها رياء بخلق أو هوى من شهوة نفس، و لم تكن خالصة لم يتم بها الصدق و الأدب في المعاملة و لم يقبلها الله تعالى منّا فاعتبروا. و روينا عن سعيد بن أبي بردة عن كتاب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى أبي موسى الأشعري: أنه من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه و بين الناس، و من تزيّن للناس بما يعلم الله تعالى منه غير ذلك شانه الله تعالى. فما ظنك؟ و كتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز: اعلم يا عمر أنّ الله تعالى عون للعبد بقدر النية، فمن تمّت نيته تم عون الله تعالى إياه، و من قصرت عنه نيته قصر عنه من عون الله تعالى بقدر ذلك. و قد قال الله تعالى في تصديق ذلك: إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُما [النساء: ٣٥]، فجعل سبب التوفيق إرادة الإصلاح، فذلك هو أول التوفيق من الموفق المصلح للعامل الصالح. و قال بعض السلف: رأيت الخير إنما يجمعه حسن النية و كفاك به خيرا و إن لم ينصب ربّ عمل صغير تعظمه النية و رب عمل كبر تصغره النية. و كتب بعض الأدباء إلى أخيه: أخلص النية في أعمالك يكفك القليل من العمل. و قال داود الطائي: من أكبر همه التقوى لو تعلقت جميع جوارحه بالدنيا لردته نيته يوما إلى نية صالحة. فكذلك الجاهل باللَّه تعالى و أيامه همه الدنيا و الهوى، و لو تعلقت جوارحه بكل أعمال الصالحات لكان مرجوعا إلى إرادة الدنيا و موافقة الهوى، لأن سرّها كان همه النفس لعاجل عرض الدنيا. و قال محمد بن الحسين: ينبغي للرجل أن تكون نيته بين يدي عمله. و قال أيوب السجستاني و غيره: تخلص النيّات على العمّال أشدّ عليهم من جميع الأعمال. و قال الثوري: كانوا يتعلمون النية للعمل كما يتعلمون العلم. و قال بعض العلماء: طلب النية للعمل قبل العلم و ما دمت تنوي الخير فأنت بخير. و قال زيد بن أسلم: خصلتان هما كمال أمرك تصبح و لا تهمّ للَّه تعالى بمعصية و تمسي و لا تهمّ للَّه تعالى بمعصية. و كذلك قال بعض السلف في معناه: إنّ نعمة الله تعالى أكثر من أن تحصوها و إنّ ذنوبكم أخفى من أن تعلموها و لكن أصبحوا توّابين و أمسوا توّابين يغفر لكم ما بين ذلك. و روينا في الخبر عن بعض المريدين: أنه كان يطوف على العلماء يقول: من يدلّني