قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٧٠ - تفسير قوله نية المرء خير من عمله
معناه: يسألونك عنها كأنك حفي بهم. فآخر قوله عنها و معناه التقديم فيكون هذا على التأويل أنّ النية من أعمال القلوب، و أنها من أعمال العبد خير كثير. و هذه الأقوال كلها صحيحة و هي موجودة في النية ففضلت النية العمل، لأن هذه المعاني من صفتها. و قال بعض التابعين: قلوب الأبرار تغلي بالبرّ و قلوب الفجّار تغلي بالفجور و الله تعالى مطلع على نيّاتهم فيثيبهم بقدر ذلك فانظر ما همك و ما نيتك. و روينا عن الله سبحانه و تعالى في بعض الكتب أنه قال: ليس كل كلام الحكيم أ تقبل، و لكني أنظر إلى همه و هواه. فمن كان همه و هواه لي جعلت صمته ذكرا و نظره عبرا، و هذا داخل في عموم الخبر الذي رويناه عن نبينا صلى الله عليه و سلم: أنّ الله تعالى لا ينظر إلى أجسامكم و لا إلى أموالكم إنما ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم. و سئل سفيان الثوري: هل يؤاخذ العبد بالنية؟ قال: نعم إذا كانت عزما أخذ بها. و في الخبر: أنّ العبد ليعمل أعمالا حسنة فتصعد بها الملائكة في صحف مختمة فتلقى بين يدي الله تعالى فيقول: ألقوا هذه الصحيفة فإنه لم يرد بذلك وجهي، ثم ينادي الملائكة: اكتبوا له كذا و اكتبوا له كذا. فيقولون: ربنا إنه لم يعمل شيئا من ذلك. فيقال إنه نواه. و في حديث أبي كبشة الأنماري: الناس أربعة: رجل آتاه الله عزّ و جلّ و مالا فهو يعمل بعلمه في ماله. فيقول رجل: لو آتاني الله تعالى ما آتاه لعملت كما يعمل، فهما في الخير سواء، و رجل آتاه الله مالا و لم يؤته علما فهو يتخبط بجهله في ماله فيقول رجل: لو آتاني الله مثل ما آتاه عملت كما يعمل، فهما في الوزر سواء. أ لا ترى كيف شركه بحسن النية في محاسن عمله و شرك الآخر بسوء النية بنيته في مساوئ عمله؟ و كذلك في حديث أنس بن مالك لما خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة تبوك قال: إنّ بالمدينة أقواما، ما قطعنا واديا و لا وطئنا موطئا يغيظ الكفّار و لا أنفقنا نفقة و لا نصبنا نصبا و لا أصابتنا مخمصة، إلا شركونا في ذلك و هم بالمدينة. قالوا: و كيف ذلك يا رسول الله و ليسوا معنا؟ قال: حبسهم العذر فشركونا بحسن النية. و قال بعض السلف: صلاح الأعمال و فسادها بصلاح النيّات و فسادها. و كان مطرف يقول: صلاح عمل بصلاح قلب، و صلاح قلب بصلاح نية، و من صفا صفي له، و من خلط خلط عليه. و كذلك جاء في الخبر و هو أصل من أصول الدين قوله صلى الله عليه و سلم: إنما الأعمال بالنيّات و لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله و رسوله فهجرته إلى الله و رسوله. و من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوج بها فهجرته إلى ما هاجر إليه فأخبر أن لا عمل إلّا بالنيّة، ثم جعل لكل عبد نية ثم ردّ طالبي الدنيا و الأزواج إلى نياتهم، و حكم عليهم بها، و جعلها نصيبهم من الله تعالى، وفّق ذلك لهم أو لم يوفقه، فبطلت هجرتهم