قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٨٥ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
فكان من أراد طعاما أكل، و من اشتهى لحما قطع و شوى أو طبخ، و من احتاج إلى ثوب لبس من غير إذن و لا مؤامرة. قد عرفوا ذلك من أخلاقه، و كان مثله جماعة متخلّقين بهذه الأخلاق، و قد جعل الله تبارك و تعالى الألفة بين المؤمنين من آياته، و تمدح بوصفها و لم يكلها إلى الرسول صلى الله عليه و سلم فقال عزّ و جلّ: وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ٦٣]. أي عزيز لا يؤلف غيره ما فرق، و لا يفرق سواه ما ألف، حكيم تفرد بالحكم في التأليف، كما توحد بالتوحيد بالتعريف. و معنى آخر: عزيز عزز الألفة و عظمها عند المؤمنين، حكيم جعلها في الحكمة مع الحكماء من الصالحين. و نظر أبو الدرداء إلى ثورين يحرثان في فدان، فوقف أحدهما يحك جسده فوقف الآخر فبكى أبو الدرداء فقال له: هكذا الإخوان في الله عزّ و جلّ، يعملان للَّه تبارك و تعالى و يتعاونان على أمر الله، فإذا وقف أحدهما وقف الآخر لوقوفه، و كان أكثر عبادة أبي الدرداء التفكر، و كان يقول: إني لأدعو لأربعين من إخواني في سجودي أسميهم بأسمائهم. و قد جاء في الحديث: دعاء الأخ لأخيه بالغيب لا يرد. و يقول الملك: و لك مثل هذا. و في لفظ آخر يقول الله تبارك و تعالى: بك أبدأ. و الحديث المشهور: يستجاب للمرء في أخيه ما لا يستجاب له في نفسه، فمن واجب الأخوة تخصيصه و إفراده بالدعاء، و الاستغفار له في الغيب، فلو لم يكن من بركة الأخوة إلّا هذا كان كثير. و كان محمد بن يوسف الأصبهاني يقول: و أين مثل الأخ الصالح، أهلك يقتسمون ميراثك و هو منفرد بحسرتك، مهتم بما قدمت، يدعو لك في ظلمة الليل و أنت تحت أطباق الثرى، فقد أشبه الأخ الصالح الملائكة: لأنه جاء في الخبر: إذا مات العبد قال الناس: ما خلف و قالت الملائكة: ما قدم، يفرحون بما قدم من خير و يشفقون عليه. و قال بعض العلماء: لو لم يكن في اتخاذ الإخوان إلّا أنّ أحدهم يبلغه موت أخيه فيترحم عليه و يدعو له، فلعله يغفر له بحسن نيته له و يقال: من بلغه موت أخيه فترحم عليه و استغفر له، كأنه شهد جنازته و صلّى عليه. و قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: مثل الميت في قبره مثل الغريق يتعلق بكل شيء، ينتظر دعوة من ولد أو والد أو أخ، و إنه ليدخل على قبور الأموات من دعاء الأحياء، من الأنوار أمثال الجبال و يقال: الدعاء للأموات بمنزلة الهدايا للأحياء في الدنيا. قال: فيدخل الملك على الميت معه طبق من نور، عليه منديل من نور فيقول: هذه هدية من عند أخيك فلان، من عند قرينك فلان قال: فيفرح بذلك، كما يفرح الحي بالهدية، فقد كان الإخوان يوصون إخوانهم بعدهم بدوام الدعاء لهم، و يرغبون في ذلك لحسن يقينهم