قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٩٩ - ذكر رياضة المريدين في المأكول و فضل الجوع و طريقة السلف في التقلّل و الأكل
دوانق كسبا، ثم أعجنها عجنة ثم أجزأها ثلاثمائة و ستين كبة أفطر في كل ليلة على كبة قال فقلت له فكيف أنت في وقتك هذا قال آكل بلا حدّ و لا توقيت. و قد كان معروف الكرخي يهدي إليه طيّبات الطعام فيأكل فيقال له: إنّ أخاك بشرا لا يأكل من هذا. فيقول: أخي بشر قبضه الورع و أنا بسطتني المعرفة. ثم قال: إنما أنا ضيف في دار مولاي إذا أطعمني أكلت، و إذا جوّعني صبرت، ما لي و الاعتراض و التخيّر؟ و قال بعض إخوان بشر الحافي: دخلت عليه و هو يأكل فقال لي: كل. فقلت: إني صائم، فناولني كسرة و قال لي: كل. فأكلتها، فقال: سلمت من آفة الصوم و أدخلت عليّ السرور. و كان بشر رحمه الله قد أصبح ذات يوم صائما فزاره فتح الموصلي. قال حسين المغازلي: فدفع إليّ كفًّا من دراهم فقال: اشتر لنا أطيب ما تجد من الطعام و أطيب ما تجد من الحلاوة و أطيب ما تجد من الطيب. قال: و ما قال لي مثل ذلك قط. ففعلت فوضعت الطعام بين أيديهم فجعل يأكل معه و ما رأيته أكل مع غيره. و كان بعض هذه الطائفة يقول: إذ أعطاك مولاك بقطعة فقد شهاك أن تشتري ما تشاء و تشتهي، و إن أعطاك مأكولا بعينه فكل ذاك و لا تتخير سواه. و دفع إبراهيم بن أدهم إلى بعض إخوانه دراهم فقال: خذ لنا بهذه زبدا و عسلا و خبزا حورانيا. فقلت: يا أبا إسحاق بهذا كله؟ فقال: ويحك إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال، و إذا عدمنا صبرنا صبر الرجال. و أصلح ذات يوم طعاما فأكثر و دعا نفرا يسيرا منهم الثوري و الأوزاعي فقال له: أما تخاف أن يكون هذا إسرافا؟ فقال: ليس في الطعام إسراف، إنما الإسراف في الأثاث و اللباس. و هكذا حكي عن سيرة السلف. قال: كانوا في الرجال مخاصيب و كان في الزي و الثياب تقصير. و في الخبر أنّ رجلا صنع طعاما فدعا إليه بعض إخوانه فقال: إني صائم. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: صنع لك أخوك طعاما فلم تأكل ألا أفطرت يوما مكانه. و حدثونا عن بعض العلماء أنه كان قاضيا بصنعاء فدخل على أمير صنعاء فحضر وقت غدائه فعرض عليه الأكل فقال: إني صائم. فلما أخذ الأمير في الأكل و هو يحدثه إذ نظر القاضي فإذا قد جاءوا بجمل مشوي. فجعل القاضي يزحف و يتقدم إلى المائدة، ثم مدّ يده يأكل. فقال له الأمير: أ لم تقل إني صائم. فقال: أيها الأمير أنا على قضاء يوم أصومه أقدر مني على قضاء مثل هذا الجمل. و كان أبو سليمان الداراني يقول: لا تضرّ الشهوات من لم يتكلفها إنما تضرّ من حرص عليها. و كان يدعو أصحابه فيقدم إليهم الطيبات فيقولون له تنهانا عنها و تقدمها إلينا؟ قال: لأني أعلم أنكم تشتهونها فتأكلونها عندي خيرا، و لو جاءني من يزهد ما زدته على الملح شيئا. و كان يقول: أكل الطيبات