قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٦٧ - ذكر أحكام مقام الرضا
بعضها: يا داود، إياك و الاهتمام بالدنيا، محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لا يغتمّون. إياك و الغمّ و لا تهتم للخير و أنت تريدني. و يقال: أكثر الناس همّا في الدنيا أكثرهم همّا في الآخرة. و أقلّهم همّا في الدنيا أقلّهم همّا في الآخرة. و روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: الإيمان بالقدر يذهب الهمّ و الحزن. و اعلم أنّ الفرح بالدنيا يخرج همّ الآخرة من القلب، و الغمّ على الدنيا يحجب عن الحزن على فوت الآخرة. و ذكر عند رابعة عابد له عند الله منزلة، و كان قوته ما يقمم من منزلة لبعض ملوكهم فقال رجل عندها: فما يضر هذا إذا كانت له عند الله منزلة أن يسأله، فيجعل قوته في غير هذا فقالت له: اسكت يا بطال، أما علمت أنّ أولياء الله هم أرضى عنه أن يتخيروا عليه أن ينقلهم من معيشة حتى يكون هو الذي يختار لهم. و قال أحمد بن أبي الحواري: قال لي أبو سليمان: إنّ الله تعالى من كرمه قد رضي من عبيده بما رضي العبيد من مواليهم قلت: و كيف ذلك؟ قال: أ ليس مراد العبد من الخلق أن يرضى عنه مولاه؟ قلت: نعم قال: فإن محبة الله من عبيده أن يرضوا عنه. و قال الأعمش: قال لي أبو وائل: يا سليمان، نعم الرب ربنا لو أطعناه ما عصانا، و قال الله عزّ و جلّ في معناه: وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الشورى: ٢٦]، أي يعطيهم و يستجيب لهم، و الاستجابة الطاعة كقوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي [البقرة: ١٨٦]، فلما استجابوا له استجاب لهم، أطاعوه فيما أحبّ فأطاعهم فيما يحبون. و هذا أحد وجهي الآية كقوله تعالى: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: ٤٠]، و هو على تأويل من قرأ: هل يستطيع ربك أن يطيعك؟ قال: ابن عباس: كان الحواريون أعلم باللَّه أن يشكوا أنّ الله يقدر على ذلك، و إنّما معناه: هل يستطيع أن يطيعك؟ و روينا أيضا عن عائشة مثله. و قال الفضيل: من أطاع الله تعالى أطاعه كل شيء، و من خاف من الله خاف منه كل شيء. و في أخبار موسى عليه السلام يا رب دلّني على أمر فيه رضاك حتى أعمله، فأوحى الله تعالى إليه إنّ رضاي في كرهك و أنت لا تصبر على ما تكره، قال: يا رب دلني عليه قال: فإن رضاي في رضاك بقضائي. و قد يروى على وجه آخر أن بني إسرائيل سألوا موسى فقالوا: لو علمنا في أي شيء رضا ربنا لفعلناه، فأوحى الله إليه قل لهم: رضاي في رضاهم بقضائي و في مناجاة موسى عليه السلام يا رب أي خلقك أحبّ إليك؟ قال: من إذا أخذت منه المحبوب سالمني قال: فأي خلقك أنت عليه ساخط؟ قال: من يستخيرني في الأمر فإذا قضيت له سخط قضائي. و قد ورد أشد من هذا كله أن الله تعالى قال: أَنَا الله لا إِلهَ إِلَّا أَنَا [طه: ١٤]، من لم يصبر على بلائي و يرض بقضائي و يشكر نعمائي فليتخذ ربّا سواي. و قد رويناه عن النبي صلى الله عليه و سلم من