قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٧٨ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
و لقد بلوت الناس ثم خبرتهم و وصلت ما قطعوا من الأسباب فإذا القرابة لا تقرب قاطعا و إذا المودة أقرب الأنساب و بلغني أنّ أخوين ابتلى أحدهما بهوى، فأظهر عليه أخاه و قال: إني قد اعتللت بالهوى، فإن شئت أن لا تعتقد عليّ محبتي للَّه تعالى فافعل فقال: ما كنت لأحلّ عقد أخوتك لأجل خطيئتك أبدا، قال ثم عقد أخوه بينه و بين الله عزّ و جلّ أن لا يأكل و لا يشرب حتى يعافي الله عزّ و جلّ أخاه من هواه، قال فطوى أربعين يوما في كلها يسأله عن هواه: كيف أنت منه فكان يقول: القلب مقيم على حاله قال: و ما زال أخوه الآخر ينحل و يسقم من الغمّ عليه، و من تركه الطعام و الشراب قال: فأزال الله الهوى عن قلب أخيه بعد الأربعين، فأخبره بذلك، فأكل و شرب بعد أن كاد يتلف هزلا و ضرّا، و بمعناه حدثت عن أخوين من السلف انقلب أحدهما عن الاستقامة، فقيل لأخيه التقي: ألا تقطعه و تهجره فقال: هو أحوج ما كان إليّ في هذا الوقت لما وقع في عثرته، أن آخذ بيده، و أتلطف له في المعاتبة، و أدعو له بالعود إلى ما كان عليه. و فيما رويناه من الإسرائيليات أنّ أخوين عابدين في جبل، نزل أحدهما ليشتري من المصر لحما بدرهم، فبصر ببغي عند اللحام، فهويها فواقعها، ثم أقام عندها ثلاثا و استحى أن يرجع إلى أخيه من جنايته، قال: فافتقده أخوه و اهتم بشأنه، فنزل إلى المدينة فلم يزل يسأل عنه حتى دل عليه، فدخل عليه و هو جالس مع البغي، فاعتنقه و جعل يقلبه و يلزمه، و أنكر الآخر أنه يعرفه لفرط استحيائه منه، فقال: قم يا أخي فقد علمت بشأنك و قصتك، و ما كنت أعزّ علي و أحبّ منك في يومك هذا و ساعتك هذه، فلما رأى ذلك لا يسقطه عنده، قام فانصرف معه، فهذا من أحسن النيات و هو طريق العارفين من ذوي الآداب و المروءات، فإن أحب هذا الأخ أن يؤثر أخاه بما آثره به، و لا يقتضيه حق إخائه، فحسن، قد فعل ذلك عبد الرحمن بن عوف لما آثره سعد بن الربيع بالمال و النفس، فقال: بارك الله لك فيهما، فآثره بما به آثره، فكأنه استأنف هبته له لأنه قد كان ملكه إياه لسخاوة نفسه، و حقيقة زهده، و صدق مودته، فكانت المساواة لسعد، و الإيثار لعبد الرحمن، فزاد عليه، و هذا من فضل المهاجرين على الأنصار إذ كانت المساواة دون الإيثار. و قد كان مضر بن عيسى و سليمان يقولان: من أحبّ رجلا ثم قصر في حقه فهو كاذب في حبه. و كان أبو سليمان الداراني يقول: هو صادق في حبه مفرط في حقّه، ثم قال: لو أنّ الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له، و قال: إني لألقم الأخ من إخواني اللقمة فأجد طعمها في حلقي، و أعلم أنّ إطعام الطعام و الإنفاق على الإخوان مضاعف على الصدقات و على العطاء للأجانب، بمنزلة تضعيف