قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٧٦ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم. و قال بعض الحكماء: ظاهر العتاب خير من مكنون الحقد، و لا يزيدك لطف الحقد إلّا وحشة منه. و قد روينا في الحقد على الإخوان لفظة شديدة، و هو ما حدثونا عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: كنت باليمن، و كان لي جار يهودي يخبرني عن التوراة، فقدم علينا يهودي من سفر فقلت: إنّ الله تبارك و تعالى قد بعث فينا نبيّا، فدعا إلى السلام فأسلمنا، و قد نزل علينا مصدقا للتوراة فقال اليهودي: صدقت، و لكنكم لا تستطيعون أن تقوموا بما جاءكم به، إنّا نجد نعته و نعت أمته أنه لا يحل لامرئ يعلم منهم أنّ يخرج من عتبة بابه و في قلبه سخيمة على أخيه المسلم. و قال بعض السلف: أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان، و أعجز منه من ضيع من ظفر منهم، و قال الحسن: لا تشتر عداوة رجل بمودة ألف رجل. و قال عمر بن عبد العزيز: إياك و من مودته على قدر حاجته إليك، فإذا قضيت حاجته انقضت مودته، و من أخلاف السلف قال: لم يكن أحد منا يقول في رحله: هذا لي و هذا لك، بل كان كل من احتاج إلى شيء استعمله عن غير مؤامرة، و قد وصف الله عزّ و جلّ المؤمنين بهذا في قوله تعالى: وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [الشورى: ٣٨]. معنى أمرهم أي أمورهم ذكر جماعها كالشيء الواحد بينهم شورى أي مشاع غير مقسوم، و لا يستبد به واحدهم فيه سواء، و مما رزقناهم ينفقون، أي كانوا خلطاء في الأموال لا يميز بعضهم رحله من بعض أي شركاء، و جاء عتبة الغلام إلى منزل رجل كان قد آخاه فقال: أحتاج من مالك إلى أربعة آلاف، فقال: خذ ألفين فأعرض عنه و قال: آثرت الدنيا على الله عزّ و جلّ، أما استحيت أن تدعي الأخوة في الله عزّ و جلّ و تقول هذا، و جاء فتح الموصلي إلى منزل أخ له و كان غائبا، فأمر أهله فأخرجت صندوقه ففتحه فأخذ من كيسه حاجته، فذهبت الجارية إلى مولاها فأعلمته فقال: إن كنت صادقة فأنت حرة لوجه الله تعالى سرورا بما فعل. و روي أنّ ابن أبي شبرمة قضى لبعض إخوانه حاجة كبيرة، فجاءه الرجل بهدية جليلة، فقال: ما هذا فقال: ما أسديت إلي، فقال: خذ مالك، عافاك الله إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ للصلاة، و كبّر عليه أربع تكبيرات و عده في الموتى، و على ذلك قال بعضهم: إذا استقضيت أخاك الحاجة فلم يقضها للَّه فذكّره ثانية، فلعله يكون قد نسي. فإن لم يقضها فعاوده ثالثة فقد يكون شغل عنها بعذر، فإن لم يقضها فكبره عليه و اقرأ عليه هذه الآية: وَ الْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ الله [الأنعام: ٣٦]. و قال ميمون بن مهران: من رضي من الإخوان بترك الأفضال فليؤاخ أهل القبور. و جاء رجل إلى