قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٤٥ - الفصل الثاني و الأربعون في كتاب حكم المسافر و المقاصد في الأسفار
الفصل الثاني و الأربعون في كتاب حكم المسافر و المقاصد في الأسفار فإن سنح لهذا المريد سفر ففي الحديث: البلاد بلاد الله عزّ و جلّ و الخلق عباده، فحيث ما وجدت رزقا فأقم و أحمد الله عزّ و جلّ. و الخبر المشهور: سافروا تغنموا، فغنيمة أبناء الآخرة ريح تجارة الآخرة، و قد قال الله تعالى و هو أصدق القائلين: أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها [النساء: ٩٧]، و قال عزّ و جلّ: قُلْ سِيرُوا في الْأَرْضِ فَانْظُرُوا [العنكبوت: ٢٠]، و قال تعالى: وَ في الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ [الذاريات: ٢٠]، و قال جلّ و علا: وَ في أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: ٢١]، فمن جعلت آياته في نفسه تبصر ففطن، و من جعلت له الآيات في الآفاق سرب و سري. و كذلك قال الله عزّ و جلّ: وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧- ١٣٨] و مثله: وَ كَأَيِّنْ من آيَةٍ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ [يوسف: ١٠٥]، فمن سار فكانت له بصيرة اعتبر و عقل، و من مرّ على الآيات فنظر إليها منها تذكر و أقبل، و من أمر الله عزّ و جلّ بالمشي في مناكب بساطه و الأكل من رزقه بعد إظهار نعمته بتذليل مهاده فقال سبحانه و تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا في مَناكِبِها وَ كُلُوا من رِزْقِهِ [الملك: ١٥]، قيل: في أسواقها، و قيل: قرأها، و قيل: جبالها، و هو أحبّ إلى أحداب الأرض قرأها و مناكبها جبالها لأنها أعاليها. و كان بشر الحافي يقول: يا معشر القراء سيحوا تطيبوا فإن الماء إذا كثر مقامه في موضع تغيّر، و قيل: إنما سمي سفرا لأنه يسفر عن أخلاق النفس، و أيضا يسفر عن آيات الله سبحانه و قدره و حكمه في أرضه، فإذا عزم على السفر فليصلّ ركعتي الاستخارة و ليعقد التوكّل على الله عزّ و جلّ، فكفى ناظرا و ساكنا إليه تبارك و تعالى واثقا به و معتمدا عليه مستورا حاله راضيا عنه عزّ و جلّ في تقلّبه و مثواه، و لينو في سفره الاعتبار بالآثار و النظر إلى الآيات بالاستبصار و الابتغاء من فضل الله سبحانه فيما ندبه إليه من الأسباب، و يقال: إنّ الله تبارك و تعالى و كلّ بالمسافرين ملائكة ينظرون إلى مقاصدهم فيعطي كل واحد على نحو نيته.