قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٨٧
صدق. فهذا الكسب حرام أيضا لأنّا على يقين من وجود الحرام فيه حتى يصفو العوض المشتبه من عين الحرام بأحد معنيين: إما بيقين أنه حلال الأصل و حلال أصل الأصل، بأن لا نعلم في عينه حراما رأيناه و لا أخبرناه، فيحل به حينئذ أكل المال و نسميه مع ذلك شبهة، و هو شبهة الحلال إذ لسنا على يقين من حلاله. لامكان دخول الحرام فيه لغلبة الأموال المأكولة بالباطل و بالأسباب المكروهة من قبل الأجناد، و من قلّة المتّقين و اختلاط ذلك بالأملاك الصحيحة و بأموال التجار و الصناع، فما كنا من حلاله على علم ظن سمّيناه شبهة لفقد علم اليقين. و في الخبر: جاء عقبة بن الحرث إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: إني تزوّجت امرأة، فجاءتنا امرأة سوداء فزعمت أنها قد أرضعتنا و هي كاذبة فقال: دعها فقلت: إنها كاذبة فقال: و كيف؟ و قد زعمت أنها قد أرضعتكما لا خير لك فيها دعها عنك. و في لفظ آخر: كيف؟ و قد قيل. و في حديث عبد الله بن زمعة أنّ النبي صلى الله عليه و سلم قضي بالولد له لأنه ولد على فراشه، و أبطل دعوى الرجل فيه و إن كان منه، فلما رأى النبي صلى الله عليه و سلم شبها بيّنا قال لسودة: احتجبي عنه يا سودة و هي أخته ثم قال: الولد للفراش و كذلك يجب التقوى في الفراش للورع، و إنّ الأحكام على الظاهر تجيزها فيكون تركها مقاما للورعين و الحلال عند الورعين اسم ما انحلت عنه المطالبة و حل فيه العلم على حلال المقتبس في قوله عزّ و جلّ: وَ حَلائِلُ أَبْنائِكُمُ [النساء: ٢٣]، و حلائل جمع حليلة و قيل: إنما سمّيت المرأة حليلة الرجل لأن يحل معها أين حلت، أي يوجد عندها و يقيم كأنها فعلية من فعول أي حلول. و المعنى الآخر سمّيت حليلة، و الرجل حليلها لأن الآثام قد انحلت بينهما، أي لأنها تحلل له و يحل لها و الحلال في العلم اسم لما أباحه الكتاب و السنّة بسبب جائز مباح. و كان الحلال هو ما وجد فيه ثلاث معان: سبب مباح في العلم و علم بأصل الدرهم و المعتاض به و بأصل أصله أنه خالص من شبهة و مصادقة حكم الله عزّ و جلّ في المعاملة، فإذا فقد أحد هذه المعاني فهو شبهة إلى الحلال أقرب، و إذا فقد معنيان فهي شبهة الحرام، فإذا فقدت المعاني الثلاث حتى يكون السبب الذي وصل به الدرهم و المعتاض منه مكروها، أو يكون عين الدرهم مكروها مجهولا و لم يصادف فيه حكم الشرع في البيع و الشراء أو الهبة بطيب نفس، فهذا هو الحرام بعينه و الحرام و الحلال ضدان ظاهران، و الشبهات أعني شبهة الحلال و شبهة الحرام مشتبهان، فهي تشبه الحلال من وجه و تشبه الحرام من وجه فمثل الحلال و الحرام. من أصول الألوان مثل: البياض و السواد، هما أصلان ليسا فرعين لشيء و لا متوالدين