قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٧٣ - تفسير قوله نية المرء خير من عمله
تقطعها. قال: فقاتله فأخذه العابد فطرحه إلى الأرض و قعد على صدره، فقال له إبليس: أطلقني حتى أكلمك، فقام عنه فقال له إبليس: يا هذا إنّ الله تعالى قد أسقط عنك هذا و لم يفرضه عليك، أ نبيّ أنت؟ قال: لا. قال: فلا عليك ممن كان يعبدها، فلو اشتغلت بعبادتك و تركتها فإن للَّه تعالى في أرضه أنبياء لو شاء بعثهم إلى أهلها و أمرهم بقطعها فقال العابد: لا بدّ لي من قطعها. قال: فنابذه إبليس للقتال فغلبه العابد فأخذه و صرعه و قعد على صدره. فلما رأى إبليس أنه لا طاقة له به و لا سلطان له عليه قال: يا هذا هل لك في أمر فصل بيني و بينك و هو خير لك و أنفع من هذا الأمر الذي جئت تطلبه قال: و ما هو؟ قال: قم عني أخبرك به. فأطلقه العابد فقال له إبليس: أنت رجل فقير لا شيء لك إنما أنت كل على الناس يعولونك، و لعلك تحبّ أن تفضل على إخوانك، و تواسي جيرانك، و تتسع في حالك و تستغني عن الناس. قال: نعم. قال: فارجع عن هذا الأمر الذي جئت فيه و لك عليّ أن أجعل عند رأسك في كل ليلة دينارين، فإذا أصبحت أخذتهما فصنعت بهما ما شئت، و أنفقت على نفسك و عيالك و تصدقت على إخوانك، فيكون لك أفضل من ذلك و أنفع للمسلمين من قطع هذه الشجرة التي يغرس مكانه، و لا يضرّهم قطعها شيئا و لا ينفع إخوانك المؤمنين قطعك لها. قال: فتفكر العابد فيما قال له و قال: صدق الشيخ. لست بنبي فيلزمني قطع هذه الشجرة و لا أمرني الله تعالى أن أقطعها فأكون قد عصيت بتركها، و إنما هو شيء تفضّلت به، و ما ذا يضرّ الموحدين من بقائها و هذا الذي ذكره أكثر منفعة لعموم الناس. قال: فعاهده على الوفاء بذلك و حلف له فرجع العابد إلى متعبده فبات ليلته فأصبح فإذا ديناران عند رأسه فأخذهما، ثم كذلك الغد، ثم أصبح اليوم الثالث فلم ير شيئا، ثم أصبح بعد ذلك فلم يجد فغضب و أخذ فأسه على عاتقه و خرج يؤم الشجرة ليقطعها و قال: إن فاتني أمر الدنيا لا أتركنّ أمر الآخرة. قال: فاستقبله إبليس في صورة شيخ فقال: أين تريد؟ قال: أقطع تلك الشجرة. قال: كذبت و الله ما أنت بقادر على ذلك و لا سبيل لك إليها. قال: فتناوله العابد ليأخذه كما فعل أول مرة فقال: هيهات قال: فأخذه إبليس فصرعه فإذا هو كالعصفور بين يديه. قال: و قعد إبليس على صدره و قال: لتنتهين عن هذا الأمر أو لأذبحنك. فنظر العابد فإذا لا طاقة له به. قال: يا هذا قد غلبتني فحلّ عني و أخبرني عنك كيف قد غلبتك أول مرة فصرعتك و الآن غلبتني فصرعتني؟ فيكف ذلك؟ قال له إبليس: لأنك أول مرة غضبت للَّه تعالى و كانت نيتك الآخرة فسخرني الله لك فغلبتني، و هذه المرة جئت مغاضبا لنفسك و كانت نيتك الدنيا فسلطني الله تعالى عليك فصرعتك. و هكذا حدثونا في قصة تطول أنّ ملكة من بني إسرائيل راودت عابدا عن