قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١٧ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
عزم العبد على النكاح فلا يكون همه من النساء إلّا ذات دين و صلاح، و العقل و القناعة فليس تخلص له النيّات التي ذكرناها آنفا إلّا على هذه القواعد. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: تنكح المرأة لمالها و جمالها و حسنها و دينها فعليك بذات الدين. و في لفظ آخر: من نكح المرأة لمالها و جمالها حرم مالها و جمالها، و من نكحها لدينها رزقه الله عزّ و جلّ مالها و جمالها. و روينا أيضا: لا تنكحوا المرأة لجمالها فلعل جمالها يرديها، و لا لمالها فلعل مالها يطغيها، و انكحوا المرأة لدينها فنكاح المرأة للدين و الصلاح طريق من الآخرة، و الرغبة في المرأة الناقصة الخلق الدنيئة الصورة الكبيرة السن، السن باب من الزهد. و قد كان أبو سليمان يقول: الزهد في كل شيء حتى يتزوّج الرجل العجوز أو غير ذات الهيئة إيثارا للزهد في الدنيا. و كان مالك بن دينار يقول: يترك أحدهم أن يتزوّج يتيمة فيؤجر فيها إن أطعمها و كساها تكون خفيفة المئونة ترضى باليسير و يتزوّج بنت فلان و فلان، يعني أبناء الدنيا، فتشتهي الشهوات عليه و تقول: اكسني ثوب كذا و اشتر لي مرط حرير فيتمرط دينه. و قد اختار أحمد بن حنبل رضي الله عنه امرأة عوراء على أختها صحيحة جميلة، فسأل من أعقلهما؟ قيل: العوراء. فقال: زوّجوني إياها. و قد يكون في تزويج المرذولة المجذوعة فيه بأن يرفع قلبها إذ لا يرغب في مثلها، و استحبّ له أن ينظر إلى وجهها قبل التزويج بها و إلى ما يدعوه إليها، فإن ضمّ إلى الوجه و الكفين فلا بأس بذلك عند علماء الحجاز. ففي النظر إلى الوجه أحاديث مأثورة، منها حديث محمد بن مسلمة قال: رأيته يتبع النظرة فتاة في الحي حتى توارت بالنخل فقلت له: تفعل هذا و أنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم: فقال: رسول الله صلى الله عليه و سلم أمرنا بهذا. قال: إذا أوقع الله عزّ و جلّ في قلب أحدكم خطبة امرأة فلينظر إليها ليرى منها ما يدعوه إليها. و في الحديث الآخر إن في أعين الأنصار شيئا. فإذا أراد أحدكم أن يتزوّج منهن فلينظر إليهن. في لفظ آخر: إذا أوقع في نفس أحدكم من امرأة شيء فلينظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينهما، يعني يؤدم وقوع الأدمة على الأدمة، و هو أبلغ من البشرة لأنّ البشرة ظاهر الجلد و الأدمة باطنه جاء، هذا في المبالغة على ضرب المثل. و قد كان الأعمش يقول: كل تزويج يقع عن غير نظر يكون آخره غمّا و همّا و لا يغالي في المهر. فقد تزوّج رسول الله صلى الله عليه و سلم بعض نسائه على عشرة دراهم و أثاث البيت، و كان رحى يد، و جرة، و وسادة من أدم و حشوها ليف، و أولم على أحد نسائه بمدّين من شعير، و على أخرى بمدّي تمر. فالوليمة سنّة و ترك الإجابة إليها معصية. و قد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهي عن المغالاة بمهور النساء و يقول: ما تزوّج