قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤١٩ - الفصل الخامس و الأربعون فيه ذكر التزويج و تركه أيهما أفضل و مختصر أحكام النساء في ذلك
و مذهب أهل السنّة فلها أن تخرج إلى السؤال عمّا لا يسعها جهله و ليس لها أن تخرج بغير إذنه لطلب علم يرجى فضله، و ليس للمرأة أنّ تحمل زوجها على المكاسب الحرام و لا تكلفه ما يقترف به الآثام، و لا للرجل أن يدخل في مداخل السواء و لا يبيع آخرته بدنياه، فإن صبرت معه على البرّ و التقوى أمسكها، و إن حملته على الإثم و العدوان فارقها، و إن يتفرقا يغن الله كلا من سعته. و يقال: أول من يتعلق بالرجل يوم القيامة زوجته و ولده، فيوقفونه بين يدي الله عزّ و جلّ فيقولون: يا ربنا خذ لنا حقّا من هذا، فإنه ما علمنا ما نجهل، و كان يطعمنا الحرام و نحن لا نعلم. قال: فيقتصّ لهم منه. و في خبر: أنّ العبد ليوقف للميزان و له من الحسنات أمثال الجبال، فيسأله عن رعاية عياله و القيام بهم، و عن ماله من أين اكتسبه و فيم أنفقه، حتى تستفرغ تلك المطالبات جميع أعماله، فلا يبقى له حسنة، فينادي الملائكة: هذا الذي أكل عياله حسناته في الدنيا وارتهن اليوم بأعماله، فلهذا قال بعض السلف: إذا أراد الله بعبد شرّا سلط عليه في الدنيا أنيابا تنهشه، يعني العيال. و روينا في الخبر: لا يلقى الله عبد بذنب أعظم من جهالة أهله. و الخبر المشهور: كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول. و روي أنّ الآبق من عياله كالعبد الآبق من سيده، لا يقبل له صلاة و لا صيام حتى يرجع إليهم. و قد قال عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً [التحريم: ٦]. فأضاف الأهل إلى النفس و أمرنا أن نقيهم النار بتعليم الأمر و النهي كما نقي أنفسنا النار باجتناب النهي. و جاء في تفسير ذلك: علّموهن و أدّبوهن. و قال النبي صلى الله عليه و سلم: كلكم راع و كلّكم مسئول عن رعيته، فالمرأة راعية على مال زوجها و هي مسئولة عنه، و الرجل راع على أهله و هو مسئول عنهم. و يقال: إذا أنفقت المرأة من مال زوجها بغير إذنه لم تزل في سخط الله عزّ و جلّ حتى يأذن لها، و لا يحلّ لها أن تطعم من منزله إلّا الرطب الذي يخاف فساده، فإن أطعمت و أنفقت عن إذنه و رضاه كان لها مثل أجره، و إن أطعمت بغير إذنه كان له الأجر و عليها الوزر. و ينبغي أن يعرفها أعظم حقه عليها في مقام الوالدة بقوله للمرأة: عليك بطاعة زوجك، فإنّه جنتك و نارك. و قال صلى الله عليه و سلم: أيما امرأة ماتت و زوجها عنها راض دخلت الجنة. و كان رجل قد خرج في سفر و عهد إلى امرأته أن لا تنزل من العلو إلى سفل الدار، و كان أبوها في السفل، فمرض أبوها فأرسلت المرأة تسأذن أن تنزل إلى أبيها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أطيعي زوجك. فمات أبوها فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه و سلم. أن تنزل إليه فقال: أطيعي زوجك. فدفن أبوها. قال: فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه و سلم يخبرها أنّ الله قد غفر لأبيها بطاعتها زوجها. و قال صلى الله عليه و سلم: إذا صلّت المرأة خمسها و صامت شهرها و حفظت فرجها و أطاعت زوجها دخلت جنة ربها. فأضاف: