قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١٨ - الفصل الخامس و الثلاثون فيه ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى و الحكم و افتراقهما في التفصيل و الاسم
تفصيل أعمال القلوب و عقودها على ما توجب هذه المعاني التي وصفناها، أن تكون عقودا من تفصيل أعمال الجوارح، فيما توجب الأفعال الظاهرة التي وصفها أن تكون علانية، إلّا أنّ ذلك يفرق بين الإسلام و الإيمان في المعنى باختلاف و تضادّ، و ليس فيه دليل أنهما مختلفان في الحكم، إذ قد يجتمعان في عبد واحد مسلم مؤمن، فيكون ما ذكره من عقود القلب و وصف قلبه، و ما ذكره من العلانية وصف ظاهر جسمه. و الدليل على ذلك أنه جعل وصف الاسمين معنى واحدا في حديث ابن عمرو في حديث وفد عبد القيس الذي ذكرناه قبل عن ابن عباس. و قد روى ذلك مفصّلا في حديث عليّ رضي الله تعالى عنه: الإيمان قول باللسان، و عقد بالقلب، و عمل بالأركان. فأدخل أعمال الجوارح في عقود الإيمان. و أيضا فإن الأمة مجمعة أنّ العبد لو آمن بجميع ما ذكرناه من عقود القلب في حديث جبريل عليه السلام من وصف الإيمان، و لم يعمل بما ذكرناه من وصف الإسلام بأعمال الجوارح لا يسمّى مؤمنا، و أنه إن عمل بجميع ما وصف به الإسلام ثم لم يعتقد ما وصفه من الإيمان أنه لا يكون مسلما. و قد أخبر صلى الله عليه و سلم: أنّ الأمة لا تجتمع على ضلالة، و ليس فيه دليل على أنّ الإسلام غير الإيمان، أو أنّ المسلمين سوى المؤمنين، أو أنّ الإيمان ضدّ الإسلام. و الوجه الثاني من تأويل الخبر أنّ معنى قوله أو مسلم يعني به أو مستسلم. فإذا جمع بين عقود القلب و بين أعمال الجوارح كان مسلما مؤمنا. و من لم يقل بهذا الذي ذكرناه فقد كفّر أبا بكر رضى الله تعالى عنه و جهله في قتال أهل الردة و ادّعى عليه أنه قتل المؤمنين، لأن القوم جاءوا بعقود الإيمان و لم يجحدوا التوحيد و لا أكثر الأعمال و إنما أنكروا الزكاة فاستحلّ قتلهم. و واطأه الصحابة على ذلك حتى استتاب من رجع منهم. و أما الحديث الآخر الذي جاء ظاهره أنّ النبيّ صلى الله عليه و سلم فرّق بين المؤمن و المسلم في أنه أعطى رجلا و لم يعط الآخر. فقال له سعد: يا رسول الله تركت فلانا لم تعطه و هو مؤمن فقال: أو مسلم؟ فأعاد عليه. فأعاده رسول الله صلى الله عليه و سلم: أو مسلم؟ فإنما في هذا دليل على تفرقة الإيمان و الإسلام في التفاضل و المقامات، أي ليس هو من خصوص المؤمنين و لا أفاضلهم، فكشف مقامه الذي خفي على سعد كما كشف مقام حارثة عن حقيقة إيمانه، إذ كان خاملا لا يؤبه له فقال: كيف أصبحت؟ فنطق بوجده عن مشاهدته. فقال: عرفت فالزم، فهذا دليل لنا في تفضيل مقام الإيمان على مقام الإسلام، و أنّ المؤمنين يتفاضلون في الإيمان، و إن تساووا في أعمال الجوارح من الإسلام، و أنّ الإيمان لا حدّ له و إن كانت صحته بمحدود الإسلام. فآثر رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي آمن طوعا على المكره. و كان رسول