قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٢٠ - الفصل الخامس و الثلاثون فيه ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى و الحكم و افتراقهما في التفصيل و الاسم
هذا الحديث أيضا تخصيص للإيمان على الإسلام لا تفرقة بينهما، بمعنى قوله في وصف الرجل أو مسلم. و قال النبي صلى الله عليه و سلم في وصف الرجل: أو مسلم. فدلّ على بطلان ما ناوله القائل لأن هذه اللفظة بألف الاستفهام لا تستعمل في عرف الكلام إلّا في الوصف الأنقص و الحال الأدنى فافهم. و أما قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [الحجرات: ١٤]. فإن هذا أيضا من هذا النوع معناه: قولوا: استسلمنا حذر القتل، و هؤلاء ضعفاء المؤلفة و أراذلهم كانوا ينقمون على رسول الله صلى الله عليه و سلم إيثاره و تقديمه المؤمنين بالعطاء عليهم، و إرجاءه إياهم فقالوا: لم لا يعطينا كما يعطي المؤمنين؟ فإنّا مؤمنون كهم. فأخبر الله تعالى بذلك عنهم و أكذبهم في دعواهم و هم الذين قصّ الله تعالى أخبارهم في قوله تعالى: وَ مِنْهُمْ من يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ [التوبة: ٥٨]. ففي هذه الآية دليل على أنّ النبي صلى الله عليه و سلم لم يكن يعطي هذا الضرب من المؤلفة. و ليس في الآية تفرقة بين الإيمان و الإسلام بدليل قوله تعالى في الآية التي بعدها: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ [الحجرات: ١٧]. فسمّى إسلامهم إيمانا لأنه عطف ببعض الكلام على بعض، و ردّ أوله إلى آخره، و إنما أسقط المنة به على رسوله، و أثبت المنّ عليهم بنفسه، و عطف بآخر الاسم على أوله، و غاير بين اللفظين. فلم يرد أحدهما على الآخر. فيقول: أن هداكم للإسلام لاتساع لسان العرب و ليفيدنا فضل بيان، و إنّ الإسلام و الإيمان اسمان بمعنى واحد. كما قال تعالى: هَلْ من خالِقٍ غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ [فاطر: ٣]. و لم يقل: يخلقكم. ليبيّن أنّ الرزاق هو الخالق و ليفيد وصفا ثانيا وصف به نفسه تعالى فهو كقوله تعالى: فَأَخْرَجْنا من كانَ فِيها من الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ من الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: ٣٥- ٣٦]، و هكذا قراءتها في مصحف ابن مسعود قال: سبحانك تبت إليك، و أنا أول المسلمين. فلو لا أنهما بمعنى لم يجز أن يقرأ بخلاف المعنى. فأما ما روي عن أبي جعفر بن عليّ: الإيمان مقصور في الإسلام، فمعناه هو باطنه. قال: و أدار دائرة كبيرة فقال: هذا الإسلام، ثم أدار في وسطها دارة صغيرة فقال: و هذا الإيمان في الإسلام. فإذا فعل و فعل خرج من الإيمان و صار في الإسلام، يريد أنه خرج من حقيقة الإيمان و كماله و لم يكن من الموصوفين الممدوحين بالخوف و الورع من المؤمنين، لأنه خرج من الاسم و المعنى حتى لا يكون مؤمنا باللَّه مصدقا برسله و كتبه. أ لا ترى إلى الدارة الصغيرة غير خارجة من الدارة الكبيرة التي أدارها حولها فجعلها فيها و ضرب