قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٥١ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
بثلاثمائة درهم و غفل واثلة، و قد ذهب الرجل بالناقة فسعى وراءه و جعل يصوت به حتى رجع، و قال: يا هذا أ للحم اشتريت هذه الناقة أم للظهر؟ فقال: بل للظهر. فقال: فإن بخفها نقبا قد رأيته و إنها لا تتابع السير عليه. قال: فردّها، فنقصه البائع مائة درهم، فقال لواثلة: رحمك الله أفسدت عليّ بيعي. فقال: إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يحلّ لأحد يبيع شيئا إلّا يبين ما فيه و لا يحلّ لمن يعلم ذلك إلّا يبينه، فانظر رحمك الله إلى النصح للمسلمين الذي يتعذر فعله علي كثير من المسلمين، إنما جعله رسول الله صلى الله عليه و سلم من شرط صحة الإسلام و كان يبايع عليه، إلّا أنه جعله من فضائل الدين، و لا نهاية لقرب المتّقين، لأنه قال: الدين النصيحة الدين النصيحة ثلاثا، ثم سوّى بين طبقات الناس فيه فقال للَّه و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين و لعامتهم. و قد روي في خبر مشهور: لا تزال لا إله إلّا الله تدفع عن الخلق سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على آخرتهم. و في خبر آخر: ما لم يبالوا ما نقص من دنياهم بسلامة دينهم، فإذا فعلوا ذلك و قالوا: لا إله إلّا الله. قال الله سبحانه: كذبتم لستم بها صادقين و في لفظ آخر: ردّت إليهم. في خبر: كأنه مفسر لحديث مجمل: من قال لا إله إلّا الله مخلصا دخل الجنة. قيل: و ما إخلاصها؟ قال: أن تحرزه عمّا يحرم الله. و خبر مشهور: ما آمن بالقرآن من استحلّ محارمه. و قد روينا عن بعض التابعين: لو دخلت هذا الجامع و هو غاص بأهله فقيل له: من خير هؤلاء؟ لقلت: نصحهم لهم، فإذا قالوا هذا قلت: هو شرهم، و الغش في البيوع و الصنائع محرم على المسلمين، و من كثر ذلك منه فهو فاسق، و من الغش أن ينشر على المشتري أجود الطرفين من المبيع، أو يظهر من المبيع أجود الثوبين، أو يكشف من الصنعة أحسن الوجهين، روي أنّ النبي صلى الله عليه و سلم مرّ برجل يبيع طعاما فأعجبه ظاهره فأدخل يده فرأى بللا فقال: ما هذا؟ فقال: أصابته السماء. فقال: هلّا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس من غش فليس مني. و في حديث عبد الله بن أبي ربيعة: أنه مرّ على طعام مصير فارتاب منه فأدخل يده فإذا طعام ممطور. فقال: ما هذا؟ فقال: هذا و الله طعام واحد يا رسول الله. فقال: هلّا جعلت هذا وحده حتى يأتوك فيشترون شيئا يعرفونه من غشّنا فليس منا. و حدثني بعض إخواننا أنّ رجلا حذاء سأل: فكيف أسلم في بيع النعال؟ فقال: استجد الأوّل و ليكونوا سواء و اجعل الوجهين شيئا واحدا لا يفضل اليمين وجود الحشو، و قارب بين الخرز و لا تطبق أحد النعلين على الأخرى. فينبغي للبائع و الصانع أن يظهرا من البيع و المصنوع أردأ ما فيه و أرذله، ليقف المشتري و الصانع على عيوبه، و يكونا على بصيرة من باطنه. و باع ابن