قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٧٥ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
أحد يعصي الله عزّ و جلّ حتى لا يطيعه، فمن كانت طاعاته أكثر من معاصيه فهو العدل. قال ابن عبد الحكم: و هذا كلام الحذاق، و قال أيضا قولا فصلا في التوسط بين الانقباض و الانبساط، حدثنا عنه قال: الانقباض عن الناس مكسبة لعداوتهم، و الانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء فكن بين الانقباض و الانبساط. و قد وصف الله تعالى المؤمنين بالصبر و الرحمة في قوله عزّ و جلّ: وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [البلد: ١٧]. و نعتهم الذلة في قوله تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [المائدة: ٥٤]. و قال تعالى: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩]. و هذا كله داخل في الاهتمام به، و هو حقيقة صدقه في الصداقة له كما قال، و لا صديق حميم أي هميم من الاهتمام به، و قد قال عيسى عليه السلام لأصحابه: كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائما فكشفت الريح عنه ثوبه، قالوا: نستره و نغطيه فقال: بل تكشفون عورته، قالوا: سبحان الله من يفعل هذا، فقال: أحدكم يسمع في أخيه بالكلمة فيزيد عليه و يشيعها بأعظم منها، و هذا مخرجه من الحسد الكائن في النفس و الغل المستكن في القلب، أن يزيد الرجل على الشيء مما يسمع أو يتبعه بمثله، فيظهر هذا غله، و هذا الذي استعاذ منه المؤمنون في قولهم: وَ لا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلًّا [الحشر: ١٠] الآية. و ينبغي أن لا يخالفه في شيء و لا يعترض عليه في مراد. قال بعض العلماء: إذا قال الأخ لأخيه قم بنا، فقال: إلى أين، فلا تصحبه و قال الآخر: إذا قال: أعطني من مالك، فقال: كم تريد أو ما ذا تصنع به لم يقم بحق الإخاء. قال أبو سليمان الداراني: كان لي أخ بالعراق، فكنت أجيئه في النوائب فأقول: أعطني من مالك شيئا فكان يلقي إليّ كيسه فآخذ منه ما أريد، فجئته ذات يوم فقلت أحتاج إلى شيء، فقال: كم تريد فخرج حلاوة أخاه من قلبي. و عن ابن عمر و أبي هريرة: لم يكن أحد أحق بديناره و درهمه من أخيه. و روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: لا تباغضوا و لا تدابروا و لا تحاسدوا و لا تقاطعوا، و كونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، و لا يحرمه، و لا يخذله بحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم. و في حديث عليّ عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته و ظهرت عدالته و وجبت أخوّته و حرمت غيبته. و في حديث أبي أسامة الباهلي: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم و نحن نتمارى فغضب ثم قال: ذروا المراء لقلّة خبره، ذروا المراء فإن نفعه قليل و هو يهيج العداوة بين الإخوان، و قال بعض السلف: من لاص الإخوان و ما رآهم، قلت: و ذهبت كرامته. و قال عبد الله بن الحسن: إياك و معاداة الرجال، فإنك لن