قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٦٩ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
قالوا: فأخبرنا يا رسول الله، قال: أوثق عرى الإيمان الحب في الله تعالى، و البغض فيه، و قد اختلف مذهب الصحابة في الأخ بحب أخاه في الله عزّ و جلّ، ثم ينقلب الآخر عمّا كان عليه و يتغير، هل يبغضه بعد ذلك أم لا؟ فكان أبو ذر يقول: إذا انقلب عمّا كان عليه و تغير، فأبغضه من حيث أحببته. و روينا عن أبي الدرداء أنّ شابا غلب على مجلسه حتى أحبه أبو الدرداء، فكان يقدمه على الأشياخ و يقربه فحسدوه، و أنّ الشاب وقع في كبيرة من الكبائر، فجاءوا إلى أبي الدرداء فحدثوه، و قالوا له: لو أبعدته، قال: سبحان الله لا نترك صاحبنا لشيء من الأشياء. و روينا عن بعض التابعين و عن الصحابة في مثل ذلك، و قد قيل له فيه، فقال: إنما أبغض عمله و إلّا فهو أخي، و كذلك قال الله عزّ و جلّ لنبيّه في عشيرته: فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون، و لم يقل: قل إني بريء منكم للحمة النسب، و قد قيل للصداقة لحمة كلحمة النسب. و قيل لحكيم بن مرة: أيما أحب إليك: أخوك أو صديقك؟ فقال إنما أحب أخي إذا كان صديقا. و كان الحسن يقول: كم من أخ لك لم تلده أمك، و لذلك قيل: القرابة تحتاج إلى مودة، و المودة لا تحتاج إلى قرابة. و في حديث النبي صلى الله عليه و سلم، لما شتم القوم الرجل الذي أتى فاحشة فقال: مه و زبرهم لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم. و في أثر عن بعض العلماء في مثل زلات الإخوان، قال: ودّ الشيطان أن يلقي على أخيكم مثل هذا حتى تقطعوه و تهجروه، فما ذا بغيتم من محبة عدوّكم؟ و قد كان أبو الدرداء يقول: إذا تغير أخوك و حال عمّا كان، فلا تدعه لأجل ذلك، فإن أخاك يعوج مرة و يستقيم أخرى، و كان يقول: داو أخاك و لا تطع فيه حاسدا، فتكون مثله و قال الحسن: أي الرجال المهذب و قال إبراهيم النخعي: لا تقطع أخاك و لا تهجره عند الذنب، فإنه يركبه اليوم و يتركه غدا. و قال أيضا: لا تحدثوا الناس بزلة العالم، فإن العالم يزل الزلة ثم يتركها. و في الخبر: اتّقوا زلة العالم و لا تقطعوه و انتظروا فيئته. و عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: شرار عباد الله المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء الغيب. و قال سعيد بن المسيب إني لأكره أن أفرق بين المتألفين و قال مرة بين المتحابين. و في حديث عمر، و قد سأل عن أخ كان آخاه فخرج إلى الشام فسأل عنه بعض من قدم عليه، فقال: ذاك أخو الشيطان قال: مه قال: إنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر فقال: إذا أردت الخروج فأذني قال: فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم، حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب و قابل التوب الآية، ثم عاتبه تحت ذلك و عذله، فلما قرأ الكتاب قال: صدق الله و نصح لي عمر قال: فتاب و رجع. و من أفضل فضيلة الحب في الله تعالى أنه جعل علما لوجود الإيمان، و قرن بحب الله تعالى و رسوله صلى الله عليه و سلم كما في