قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٦١ - ذكر بيان آخر في التوكّل
وليّهم بما كانوا يعملون. فدار السلام جامعة لهم و هم متفاوتون في درجاتهم كدار الدنيا تجمعهم، و هو يرفعهم لديه في ملكوتها بتخصيص التولي و حسن الولايات عن تحسين المعاملات. الله يجتبي إليه من يشاء و يهدي إليه من ينيب، و من الخصوص من توكّل عليه تعظيما له و إجلالا. و منهم من توكّل عليه يقينا بوعده ليحقّق صدقه كأنه قد أخذ الموعود بيده إذ يقول تعالى: و من أوفى بعهده من الله أنّه كان وعده مأتيا. و منهم من توكّل عليه استسلاما لما شهد من قهر عزّه و عظيم قدره. و منهم من توكّل عليه ليحفظ عليه ماله فيه. و منهم من توكّل عليه ليحفظ له ما استحفظه و يعصمه في ماله عليه. و منهم من توكّل عليه لقيامه بشهادته عن حسن معرفته. و منهم من توكّل عليه تسليما له عن جميل معاملته. و منهم من فوّض إليه لحسن تدبيره عنده و بحكم تقديره. و منهم من توكّل عليه لأن توحيده له و شهادة قيوميته. ذلك يقتضيه. فهذه كانت مواجيد أوليائه و مناهج أحبابه عن مشاهدة القرب و معرفة القريب. و بعضهم أعلى مقاما من بعض، و بعض هذه المشاهدات أقرب و أرفع فأعلاها من توكّل عليه للإجلال و التعظيم، و أوسطها من توكّل عليه للمحبة و الخوف، و أدناها من توكّل عليه تسليما له و تحببا إليه. و قد ذكرنا أيضا من توكّل العموم ما يستحي العارفون من ذكره، و ينزّهون قلوبهم عن فكره، و هو التوكّل عليه في القلوب. و قد طوينا ذكر توكل خصوص الخصوص من صديقي المقربين لأنه لا يحتمله عقل عاقل و لا يسع أن يستودع في كتاب الناقل إذ ربما نظر فيه منكر جاهل، و الله المستعان فدخل من عرفه فيما يحبّ لأجله، و رغبوا فيما مدح لوصفه ليحصل لهم وصف يعطيهم به الولي حسن ثناء، ينالون بذلك قربة منه و محبة لديه. ذكر بيان آخر في التوكّل و ما لا ينقص المتوكل و لا ينقص المتوكل على الله سبحانه مسألة مولاه فيما أحب من صالح الدنيا و مزيد الآخرة، إذ لم يقصد غير مطلوب. و كان مفوضا إلى الله الأمور، و لكن يحتاج إلى معرفة الإجابة، فقد يكون المنع إجابة و قربا إذ كان العطاء شغلا عنه، و بعد الآن الخيرة فيما لا يعلم العبد. و قد يكون فيما يكره مما يعلم الله سبحانه حسن عاقبته، لا فيما يعقل العبد العاجل منفعته، فعليه التسليم لحكم الحاكم و الرضا بقسم القاسم، فإن سأل تكاثرا من الدنيا، أو ما لا يحتاج إليه، و ما ليس فيه صلاح قلبه، و لا قربة إلى ربّه، أخرجه من حقيقة التوكل بمقدار ما يخرجه من الزهد، و إن انقطع بالذكر عن المسألة أعطاه فوق عطاء من سأله. و إن سكت حياء من الوكيل إذ هو حسبه فشهد الكفاية و رضي بجميع التصرف، فهذا مقام من المواجهة عن مشاهدة القيومية و هو حال المقربين،