قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٣٧ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
و قال أيوب قال لي أبو قلابة: الزم السوق فإن الغني من العافية يعني الغني عن الناس و الله أعلم و الغني الذي يطاع الله تعالى به. و كان يقول بعض السلف: اتّجر و بع و اشتر و لو برأس المال يجعل لك من البركة ما لا يجعل لصاحب الزرع. و قال ابن محيريز و كان من عباد أهل الشام: ما من طعام أملأ به ما بين جنبي بعد غنيمة في سبيل الله من فيء المشركين أقيم بها حق الله عزّ و جلّ أحبّ إليّ من طعام تاجر صدوق. قال: و كانوا يعدون الكاسب على عياله كالمجاهد في سبيل الله عزّ و جلّ و يرون فضله على غيره. و روي فيه أثر أنّ الله عزّ و جلّ يحبّ المؤمن المحترف. و في خبر آخر: أنّ الله يحبّ العبد يتخذ المهنة يستغني بها عن الناس. و حدثني بعض إخواني عن أبي جعفر الفرغاني قال: كنا يوما عند الجنيد فجرى ذكر ناس يجلسون في المساجد يتشبهون بالصوفية، و يقصرون عمّا يجب عليهم من حق الجلوس، و يعيبون من يدخل السوق. فقال الجنيد: كم ممن هو في السوق حكمه أن يدخل في المسجد فيأخذ بإذن بعض من هو فيه فيخرجه و يجلس مكانه، إني لأعرف رجلا يدخل السوق و ورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة و ثلاثون ألف تسبيحة. قال: فسبق. و همّي أنه يعني نفسه، فإن كان العبد سوقيّا فليبدأ فليتعلم علم البيع و الشراء و الأخذ و العطاء و معاملة الناس في البيوع و معرفة أبواب الربا، ليعلم ذلك قبل الوقوع فيه فيجتنب ذلك و يتّقيه، و ليغد إلى المفتي فيسأله عن علم حاله كل يوم من وجوه معاملته، إن لم يكن قد تقدم علمه بذلك و لم يكن عالما به في وقت المعاملة، فليجعل بكوره إلى المفتي قبل غدوه إلى السوق، فإن لكل عمل علما، و للَّه في كل شيء حكم، فلا يغنيك كبير علم عن علم غيره، فإن لم تفعل ذلك دخل عليك الربا و البيوع الفاسدة. و قد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف في الأسواق و يضرب بعض التجار بالدرة و يقول: لا يبيع في سوقنا إلّا من تفقه و إلّا أكل الربا شاء أو أبى. ثم لينصرف بعد العلم فيما يدخل فيه فيما أبيح له من تجارة أو صناعة بصدق معاملة و صدق في مبايعة، ناويا في ذلك إقامة سنّة و أمرا بمعروف، و نهيا عن منكر، و جهادا في سبيل الله، لأنّ من أخذ الحق و أعطاه و عامل بصدق و نصح فهو معاون على البرّ و التقوى و في جهاد العدو و الهوى سيما في زمان يكثر فيه الباطل لأنّ صلاح الدين بصلاح الدنيا و فساده بفسادها لتعلق أحدهما بالأخرى و حاجة كل واحد منهما بصاحبه. و في الخبر: لا يستقيم عبد حتى يستقيم قلبه و لا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه.