قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٩ - الفصل السابع و الثلاثون في شرح الكبائر التي تحبط الأعمال و توبق العمال و تفصيل ذلك و منازل أهلها فيها و مسألة محاسبة الكفّار
يساعده المقدور على الأفعال السيئة بجوارحه فيكون خاسرا أبدا مأزورا، و نعوذ باللَّه من ذلك. و قال بعضهم: إني لأستعد النية في كل شيء قبل الدخول فيه حتى في أكلي و نومي و دخولي الخلاء. و النية في هذا التقوي على الطاعة و الاستعانة به على الخدمة لأنّ النفس مطيتك إن قطعت بها قطعت بك و نية التطهر من التحلي لأجل الدين فكان الناس لشدة تفقدهم و حسن رعايتهم صادقين في ترك كثير من أعمال البرّ لضعف النية و يعملون في أحكام الأصل. قال ابن عيينة: إنما حرموا الوصول لتضييع الأصول، و النية أصل الأصول لأنها فرض الفرائض. و قال بعضهم: إنما أبعد القلب من الله عزّ و جلّ مظاهر أعمال الجوارح بغير مواطأة من القلب بصحة القصد، يعني بذلك نقص الإخلاص بها لأجل الله تبارك و تعالى. فالنكاح من معظم شأن الدين فنيته فيه أن لا يتزوج المرأة لجمالها و لا لمالها و لا لحسنها بل لدينها و عقلها، ثم ينوي السنّة لها و العفة و التحصين لهما، و يقنع بالمرأة الدون عن غيرها. و في الخبر: من نكح للَّه عزّ و جلّ و أنكح للَّه تعالى استحق ولاية الله تعالى، و أفضل الأعمال ما دخل فيه للَّه عزّ و جلّ و خرج منه للَّه و لم يعتوره بعد ذلك علة، و أعلى من هذا من دخل في الأعمال باللَّه عزّ و جلّ و ثبت فيها مع الله و خرج منها باللَّه تعالى، و هذا مقام الموحدين من الموقنين و العارفين. فأصح الأعمال و أخلصها ما كان للَّه تبارك و تعالى هو الأوّل في أولها، و مع العامل في أوسطها، و للعبد عنده فيها. و الله تعالى هو الآخرة عند آخرها، ثم لا يظهرها بعد ذلك و لا يتظاهر بها و لا يطالع عوضا عنها من الكبر الأكبر، بل ينساها و يشتغل بذكر مولاه عنها، و القعود في المساجد من أفضل شأن الدين و فضائل أعمال المتقين، فليكن له فيه عشر نيّات منها زيارة مولاه عزّ و جلّ في بيته. كما روي: من قعد في المسجد فقد زار الله تعالى و حق على المزور إكرام زائره، و منها انتظار الصلاة بعد الصلاة. كما روي في معنى قوله تعالى: و رابطوا و هي المرابطة و منها كفّ سمعه و بصره و ترهبه في تألهه، كما روي: رهبانية أمتي القعود في المساجد، و منها العكوف و حقيقته عكوف الهمّ على القلب، و عكوف السرّ بالتأله إلى الله عزّ و جلّ، و منها ذكر الله تعالى و استماع ذكره و التذكير به، كما روي: من غدا إلى المسجد يذكر الله تعالى و يذكر به كان كالمجاهد في سبيل الله، و مثل ذلك إذا جلس ليعلم علما أو يتعلّمه كان أيضا كالمجاهد، أو جلس لاستفادة أخ في الله عزّ و جلّ أو لتنزل رحمه الله أو لترك الذنوب للخشية و الحياء. كما روينا في حديث الحسن بن عليّ عليهما السلام: من أدمن الاختلاف إلى المساجد رزقه الله تعالى إحدى سبع خصال: أخا مستفادا في الله تعالى، أو رحمة