قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٧ - الفصل السابع و الثلاثون في شرح الكبائر التي تحبط الأعمال و توبق العمال و تفصيل ذلك و منازل أهلها فيها و مسألة محاسبة الكفّار
القصور و اختفاء لشهرته، فإن أراد به وجه الله تعالى سلم من عاقبته و لا فضيلة له به، و إن كان قد خفي عليه الهوى أو دق عليه لطيف حبّ الدنيا لجهله بالعلم فهو مأثوم فيه لتقصيره في طلب العلم الذي يعرف به الإخلاص و سكوته على الجهل الذي يدخل منه الانتقاص، و لا عذر له في ذلك. و قد جاء في الخبر: أنّ الله تعالى لا يعذر على الجهل و لا يحلّ للجاهل أن يسكت على جهله و لا للعالم أن يسكت عن علمه. و قد قال الله سبحانه تعالى: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣]. و قد كان سهل رحمه الله تعالى سئل: ما عصي الله تعالى بمعصية أعظم من الجهل؟ قال: نعم. قيل: ما هو؟ قال: الجهل بالجهل يعني أن يكون العبد جاهلا و هو لا يعلم أنه جاهل، أو يحسب بجهله أنه عالم، فيسكت عن جهله و يرضى به فلا يتعلم فيضيع فرض الفرائض و أصل الفرائض كلها و هو طلب العلم، و لعله أن يفتي الجهل أو يتكلم بالشبهات و هو يظن أنه علم، فهذا أعظم من سكوته. و كذلك أيضا ما أطيع الله تعالى بمثل العلم. و من العلم العلم بالعلم أي شيء هو؟ و ذلك أيضا واجب من حيث كان العلم واجبا ليكون على بصيرة من تعلّم العلم، لأنه قد دخل مذهب المتكلمين و أقوال الغالطين من الصوفية و القصاص في شبهات العلم، فصار زخرفا من القول غرورا يشبه العلم و ليس بعلم لالتباس المعنى بعضه ببعض و لإشكال دقائق العلوم و غرائبه و خفاء السنّة من طريقة علماء السلف، فاختلط لذلك القصاص و المتكلمون بالعلماء فصار معرفة العلم أي شيء هو و العلم بالعالم من هو علم آخر، و صار العالم بالعلم ما هو دون الزخرف من القول كأنه عالم فكان أيضا العلم بالمعلم بمنزلة فضل العلم و وجب وجوبه، كما كان الجهل بالجهل أعظم من الجهل. و قد كان سهل رحمه الله تعالى يقول: قسوة القلب بالجهل من قسوته بالمعاصي لأن الجهل ظلمة لا ينفع البصر فيه شيئا و نور العلم يهتدي به القاصد و إن لم يمش. و قد قيل في تفسير و قوله تعالى: وَ بَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧] قال: عملوا أعمالا لجهلهم ظنوا أنها حسنات فوجدوها سيئات و قيل: ذنوب غيرهم طرحت عليهم فعذبوا بها و لم يكونوا يحتسبون بها في الدنيا، يعني هذا مثل ما روي في الخبر: أنّ العبد ليرى من أعماله الحسنات مما يرجو به المنازل في الجنة فتلقى عليه سيّئات لم يعملها فترجح بحسناته كلها فيستوجب النار فيقول: يا رب هذه سيّئات ما عملتها هلكت بها. فيقول: هذه ذنوب القوم الذي اغتبتهم و آذيتهم و ظلمتهم ألقيت عليك و تخلصوا منها. و قد روينا في معناه حديثا مسندا عن النبي صلى الله عليه و سلم: أنّ العبد ليوافي