قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥٨ - الفصل السابع و الثلاثون في شرح الكبائر التي تحبط الأعمال و توبق العمال و تفصيل ذلك و منازل أهلها فيها و مسألة محاسبة الكفّار
القيامة بحسنات أمثال الجبال لو خلصت له دخل الجنة، و يأتي قد ظلم هذا و شتم هذا و ضرب هذا فيقتص لهذا من حسناته و لهذا من حسناته حتى لا تبقى له حسنة. فتقول الملائكة: يا ربنا قد فنيت حسناته و قد بقي طالبون كثير. فيقول الله تعالى: ألقوا عليه من سيّئاتهم ثم صكّوا له صكّا إلى النار. و ينبغي للعبد إن أراد أن يعمل عملا أن يثبت له فيجدد له نية حسنة، ثم يقف وقفة فيتفقد هل يدخل عليه في ذلك آفة واحدة أو أكثر، فيخرج ما دخل عليه من الآفات بمشاهدة اليقين، ثم يعمل ذلك العمل للَّه وحده لا شريك له في قصده و وجده و طلبه و ثوابه ثم يستقيم على ذلك العمل، فإن دخلت عليه آفة في خلله نفاها حتى يكون قائما بشهادته، فهذا هو الإخلاص لأن المخلص يحتاج في إخلاصه إلى شيئين ليس أحدهما أولى به من الآخر صحة القصد لوجه الله تعالى و طلبه ما عنده من الآخرة، ثم إخراج الآفات و الحذر على ذلك العمل من دخولها عليه إلى فراغه منه، فبذلك يتم إخلاصه و يصفو من كدرة الهوى و يخلص من الشهوة الخفية فيكون خالصا من الرياء بالإخلاص، صافيا من الشهوة، يتفقد دخول الآفة. كما روي في الخبر: أخوف ما أخاف على أمتي الرياء و الشهوة الخفية. قيل: حبّ الدنيا و قيل: العمل، لأنه يؤجر العبد و يحمد ثم إذا همّ العبد بعمل وقف قبله وقفة فتدبره و تفكّر كم فيه من نية، فربما وجد في العمل الواحد عشر نيّات أو خمسا و ما بين ذلك لما يحتمل ذلك العمل من وجوه البرّ و معاني القربات المندوب إليها، فيكون له بكل نية عمل، فيؤجر على العمل الواحد عشرة أجور لأنه عشرة أعمال أو خمسة، يكون لكل نية عمل و بكل عمل أجر، و هو من فضائل الأعمال و تضاعيف الحسنات، و لا يعلمه إلّا العلماء باللَّه تعالى و أحكامه، و هو طريق الأبدال من صالحيّ أهل الأحوال، فبذلك زكت أعمالهم و ارتفعت مقاماتهم و كثرت أجورهم و حسنت حالاتهم لا بكثرة الأعمال لكن بتحسينها و وجود النيات الكثيرة فيها. و قد جاء في الأثر: من عمل عملا لا يريد به وجه الله لم يزل في مقت من الله حتى يفرغ. و قد قال بعض الأدباء: من لم يشكر لك حسن النية فيه لم يشكر لك حسن الصنيعة إليه و أنشدوا في معناه: لأشكرنك معروفا هممت به إن اهتمامك بالمعروف معروف و لا ألومك إذا لم يمضه قدر فالشيء بالقدر المكتوب مصروف و لو لم يكن في تجديد النية الحسنة و تفقد الهمة العالية إلّا أنّ صاحبها لا يزال عاملا من عمال الله تعالى بقلبه و همه، و إن لم يساعده القدر على الأفعال بجوارحه، فيكون أبدا مأجورا، و لو لم يكن في نية الشر و الهمة الدنية إلّا أنّ صاحبها في بطالة و خسارة و إن لم