قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٥٩ - ذكر بيان آخر من وصف المتوكلين
المثاوب، فغاب بعينها حسن التدبير و جميل التقدير فجهل أكثر الناس الحكم إلا المتوكلين و ما يعقلها إلا العالمون. و يقال: أصغر ما خلق الله من الحيوان و الموات البعوضة و الخردلة، و في كل واحدة منها ثلاثمائة و ستون حكمة، ثم يتزايد الحكم في المخلوقات على قدر تفاوتها في العظم و المنافع و مزيد آخر من الهدى. و البيان لو تمنّى أهل النهى من أولي الألباب الذين كشف عن قلوبهم الحجاب نهاية أمانيهم، فكوّنت أمانيهم على ما تمنوا لكان رضاهم عن الله في تدبيره و معرفتهم بحسن تقديره لهم، خير لهم من كون أمانيهم. و أفضل لهم عند الله من قبل إن الله، أحكم الحاكمين. و قال تعالى موبخا للإنسان مجهلا للتمني لقلة الإيقان: أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى. فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَ الْأُولى [النجم: ٢٤- ٢٥]، أي يحكم فيهما بترك الأماني لأنه قال تعالى: وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ وَ من فِيهِنَّ [المؤمنون: ٧١] فالمتوكّل محبّ الله تعالى مسرور بربّه فرح له بملكه، بأنّ له الآخرة و الأولى يحكم فيهما كيف شاء. و العبد عاجز لا يقدر على شيء. فهذا أوّل مقام في المحبة. فقد كفى الخلائق هذا كله بحسن تدبير الخالق العليم الخبير البصير، و إنما يحتاجون إلى معرفة بالحكمة و مشاهدة للحكم و الرحمة، و إلى بصيرة و يقين يسكن عندها قلوبهم و لا يضطرب. هذا الذي ذكرناه عند الموقنين و ستطلع العموم على سرّ ما ذكرناه من لطيف التدبير و باطن التقدير، و هو سرّ القدر و لطائف المقدّر في الآخرة عند المعاينة. و قد كشف الغطاء و ظهر ما تحته من عجائب الخبء في السموات و الأرض. و قد أطلع الله على ذلك العلماء به في الدنيا و هو محمود مشكور على ما أظهر و أخفى. ففي كلّ واحد منهما نعمة، و مع كل واصف منها حكمة و رحمة، و لكن قد خلق الله العلماء بأخلاقه فليس يكشفون من علمه إلا بقدر ما كشف، و ليس يعرفون من سرّ قدره إلا بمعيار ما عرف. و قال تعالى: وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر: ٢١]. فقد تأدبوا بهذا الخطاب و وقفوا عنده. و قال أبو سليمان الداراني: إذا لاحظت الأشياء من فوق وجدت لها طعما آخر. و قال بعض العارفين: إذا رأيت الأشياء كلها كشيء واحد من معدن واحد، رأيت ما لم تسمع و فهمت ما لم تفهم الخلق. و قال بعضهم: لا ترى العجب حتى ترى عجبا فإن لم تر عجبا رأيت العجب. ذكر بيان آخر من وصف المتوكّلين اعلم أن العلماء باللَّه سبحانه، لم يتوكّلوا عليه لأجل أن يحفظ لهم دنياهم، و لا لأجل تبليغهم مرادهم، و لا ليشترطوا عليه حسن القضاء بما يحبّون، و لا ليبدّل لهم جريان