قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٢ - ذكر الادخار مع التوكّل
ذكر الادخار مع التوكّل و لا يضرّ الادخار مع صحة التوكل إذا كان مدخرا للَّه و فيه، و كان ماله موقوفا على رضا مولاه لا مدخرا لحظوظ نفسه و هواه، فهو حينئذ مدخرا لحقوق الله التي أوجبها عليه، فإذا رآها بذل ماله فيها. و القيام بحقوق الله لا ينقص مقامات العبد بل يزيدها علوّا. و حدثونا عن بعض أصحاب بشر بن الحرث قال: كنت عنده ضحوة من النهار، فدخل عليه كهل أسمر خفيف العارضين، فقام إليه بشر قال: و ما رأيته قام لأحد غيره قال: و دفع إليّ كفًّا من دراهم فقال: اشتر لنا من أطيب ما تقدر عليه من الطعام و الطيب، قال: و ما قال لي قط مثل ذلك، قال: فجئت بالطعام فوضعته بين يديه، فأكل معه، و ما رأيته أكل مع غيره، قال: فأكلنا حاجتنا و بقي من الطعام شيء كثير، فأخذه الرجل فجمعه في ثوبه فجعله تحت يده و انصرف قال: فعجبت من فعله ذلك و كرهته له إذ لم يأمره بشر بذلك و لا هو استأذنه فيه. فقال لي بشر بعد ذلك: لعلك أنكرت فعله ذلك، قلت: نعم، أخذ بقية الطعام من غير إذن، فقال: تعرفه؟ قلت لا، قال: ذلك أخونا فتح الموصلي، زارنا اليوم من الموصل، و إنما أراد أن يعلمنا أن التوكل إذا صح لم يضر معه الادخار، و ترك الادخار إنما هو حال من مقامه قصر الأمل، و قد يصح التوكل مع تأميل البقاء، فإن كان أمله للحياة لطاعة مولاه و خدمته و الجهاد في سبيل الله فضل ذلك، و هذا طريق طائفة من الراجين و المستأنسين. و إن كان أمله للحياة لأجل متعة نفسه، و أخذ حظوظها من دنياه، نقص ذلك من زهده في الدنيا، فسرى النقص إلى توكله، و ما نقص من الزهد نقص من التوكل بحسابه، و ليس ما زاد في الزهد يزيد في التوكل بحسابه، لأنّ الزهد من شرط خصوص التوكل، و ليس التوكل من شرط عموم الزهد، فكل متوكل ذي مقام زاهد لا محالة، و ليس كل زاهد في مقام متوكلا لأن التوكل مقام و الزهد حال، و المقامات للمقربين و الأحوال في أصحاب اليمين إلّا أنّ من أعطى حقيقة الزهد فإنه يعطي التوكل لا محالة، لأنّ حقائق الأحوال و ثبوتها، و دوام استقامة أهلها فيها، و لزومها لقلوبهم هي مقامات، فإذا جاز للمتوكل تأميل البقاء لشهر أو شهرين جاز له الادخار لذلك، إلّا أنّ طول الأمل يخرج من حقيقة التوكل عند الخواص و لا يخرجه من حده عندي، و أكره للمتوكل الادخار لأكثر من أربعين يوما، كما يكره تأميل البقاء لأكثر من أربعين. و من ادّخر لصلاح قلبه و تسكين نفسه و قطع تشرفه إلى الناس، إن كان مقامه السكون مع المعلوم، فالادخار له أفضل، فأما من ادّخر لعياله لتسكن قلوبهم و لوجود رضاهم عن الله، و لسقوط حكمهم عنه ليتفرع لعبادة ربه، فهو فاضل في ادخاره اتفقوا عليه، و لأنّه في ذلك قائم بحكم ربه راع لرعيته التي هو