قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٥٣ - ذكر حكم المتوكل إذا كان ذا بيت
للأجسام من الملك و شيئا من الآخرة من الملكوت و صار ذلك رزقا للمتوكل في آخرته، فآثر لضعف يقينه رزق دنياه على رزق آخرته لنقصان زهده، ليس ذلك، إلا للطمع فيه. و فضل الرغبة و الشره إذ قد علم أن ما أخذ منه كان وديعة لغيره عنده، فهذه كلها ذنوب عند المتوكّلين موجبات للتوبة و الاستغفار عند الموقنين، من قبل أن المتوكّل قد علم أن الله إذا وهب شيئا من الملك في الدنيا للأجسام أو شيئا من ملكوت الآخرة في القلوب، لم يأخذه أبدا، فما كان في الدنيا بقي لصاحبه إلى آخر أثره حتى يفنيه و يبليه، و ما وهبه من الآخرة من الإيمان و العلم و العمل لم يأخذه أبدا بل ينميه و يزيده فيه إلى أبد الأبد في دار الأبد. و لكن قد يعير و يستودع من أمور الدنيا و أمور الآخرة، فهذا النوع لا بدّ أن يسترده و يسترجعه في الدنيا لأن حكمته أوجبت ردّه كما أوجب كرمه تبقية ما وهبه. فلا ينبغي للمتوكّل الموقن ما ذكرناه أن يحزنه ما حول الله من خزانته التي في يده مما أعاره و استودعه إلى خزانته الأخرى التي هي يد غيره، ممن لعلّه يهبه له أو يبتليه بأحكامه فيه، فيخرج أيضا من يده إلى يد غيره لأنه ما خرج من الدار شيء. و للَّه حكمة و ابتلاء في كل شيء، فالحزن و الأسف على فوت مثل هذا عند العارفين جناية، و من المؤمنين خيانة، يستغفرون الله و يتوبون إليه كما يتوبون من المعاصي، لأنهم قد شهدوا ما بيّناه و لأنه قد أمرهم بترك الأسى على فائت الدنيا و قلة الفرح بما أتى منها، إذ لا بدّ من كونهما لأنه قد علمه و بعد علمه قد كتبه و بعد كتبه قد أعلم به، فكشف لهم اليقين عن الكتاب المستبين، أنّ ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، فما ظهر من المصائب في الأموال و الأنفس فقد سبق قبل خلق الخلق. و هذا قوله تعالى: من قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها [الحديد: ٢٢]. قيل: من قبل أن نخلق الخليقة و قبل أن نبرأ الأرض و قيل: من قبل أن نبرأ الأنفس. و قيل: من قبل أن نبرأ المصيبة. ثم قال تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [الحديد: ٢٣]. فالأسى على فقد الشيء على قدر الفرح بوجوده. أ فلا يستحي العبد أن يكون على ضدّ ما أمر به أو بخلاف ما يحبّه منه مولاه؟ فيأسى على ما ليس له و يحزن على ما أخذ منه و استودعه، أو يفرح بما ليس له لأنه لا يعلم أنه قد وهب له، فيبقي عليه، أو قد أعيره فيؤخذ منه. فلما استرجعه من يده التي هي يده تعالى قبضه، أيقن أنه لم يكن له و أنه إنما كان وديعة عنده فحزن و ساء. فهذا لما أيقن شك، و لما علم جهل و رغب فيما ينبغي أن يزهد فيه. فأي شكّ مع ذلك يتوهم المتوكّل على الله و يدعي منازل الأقوياء الأغنياء باللَّه، الشاهدين لمجاري قدر الله في تصاريف حكمه. فإذا علم العبد أنه كاذب استكان استكانة الكذابين و تاب توبة