قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٥١ - الفصل السابع و الثلاثون في شرح الكبائر التي تحبط الأعمال و توبق العمال و تفصيل ذلك و منازل أهلها فيها و مسألة محاسبة الكفّار
عن سيّئاته في أصحاب الجنة و لم تكن له مقامات المقربين و لا درجات السابقين و هو ممن قال الله سبحانه و تعالى: إِنَّ الله لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَ يُؤْتِ من لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء: ٤٠]. يعني الجنة و إن خف إضاعته الفرائض لسنّته كان من الموقنين للحساب الطويل و احتاج إلى شفاعة الشافعين، فإن كان فرائضه الخمس ناقصة، و كان مرتكبا للكبائر فهو من الهالكين، لأنه ممن خفت موازينه من المؤمنين، و هذا من المسرفين هم أصحاب النار، فيدخل النار لنقص إسلامه و لوفور سيّئاته عليه إذ لم تمحها حسناته و لتطول نوافله بانتهاكه الكبائر، و لأن هذا نقص من مثقال دينار إلّا أنه لا يكون من المخلدين لصحة توحيده، و على أنه أول من يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان فهو في أول طبقة يخرج هذا إلى زنة شعيرة إلى ذرة من إيمان، و هؤلاء آخر الطبقات خروجا إلى أن يبدو لبعضهم من الله تعالى ما لا يحتسبه و يظهر له غدا ما لا يعلمه، فيعفى عن البعض و لا يجعل ممن حق عليه الوعيد لما سبق له من الكلمة الحسني، و يتجاوز عن سيّئاتهم في أصحاب الجنة. و قد جاء في الخبر: يؤتى بالرجل من هذه الأمة فيسدّ به ركن من أركان جهنم. و قد جاء في الخبر: أنّ العبد ليوقف بين يدي الله عزّ و جلّ و له من الحسنات أمثال الجبال لو سلمت له لكان من أهل الجنة، فيقوم أصحاب المظالم فيوجد قد سبّ عرض هذا، و أكل مال هذا، و ضرب هذا، فيقص من حسناته حتى لا تبقى له حسنة. فيقول الملائكة: يا ربنا قد فنيت حسناته. و بقي طالبون كثير. فيقال: ألقوا من سيّئاتهم على سيّئاته و صكّوا له صكّا إلى النار. و قد جاء في العلم أنّ آخر من يبقى في جهنم من الموحدين سبعة آلاف سنة. و روينا عن أبي سعيد الخدري و غيره من الصحابة: و فيه شدة. و قال: و الله لا يخرج عبد من النار بعد أن دخلها حتى يقيم فيها سبعة آلاف سنة. و هذا و الله أعلم آخر من يخرج من النار لأنهم يخرجون زمرا متفاوتون من اليوم و الجمعة و الشهر و السنة إلى ستة آلاف سنة فأكثرهم إيمانا أقلهم مقاما و أقلهم مكثا أولهم خروجا. أما أول زمرة تخرج من في قلبه مثقال من الإيمان فهذا أقلهم لبثا و أسرعهم خروجا إلى شعيرة إلى ذرة، فهؤلاء أقلهم إيمانا و أنقصهم توحيدا و أعظمهم جرما و أشدّهم على الله عتيا و هم أكثرهم مقاما و قد اشتهر خبر من يخرج من النار بعد ألف عام ينادي: يا حنّان يا منّان. فقال الحسن لما روى هذا الحديث يا ليتني كنت ذلك الرجل لشدة خوفه خاف أن يدخلها ثم عظم خوفه فخاف أن لا يخرج منها فتمنى أن يخرج منها بعد ألف عام.