قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٠٣ - الفصل الأربعون فيه كتاب الأطعمة و ذكر ما يجمع الأكل من السنن و الآداب و ما يشتمل على الطعام من الكراهة و الاستحباب
إليه، فقال: ما لي إليه من حاجة. فأخبر الخادم الحكيم بذلك، فقال: إن كان يأكل بعد الجوع و يرفع قبل الشبع و يتقلل بين ذلك فقد صدق ما له إلينا من حاجة. و قد أحكم رسول الله صلى الله عليه و سلم ذلك بقوله: ما ملأ آدمي وعاء شرّا من بطن حسب ابن آدم لقيمات يشد بهنّ صلبه فإن لم يفعل فثلث طعام و ثلث شراب و ثلث للنفس و الطعام، إنما وضع دواء من داء الجوع، إذا وجدته عالجته به، فإذا لم تجده صار الأكل داء، لأنّ التأذّي بالأكل مثل التأذي بالجوع أو أشد، و ليأكل ما يليه إلّا الفاكهة له أن يجيل يده فيها و يأكل بثلاثة أصابع، إلا الثريد فليأكل بأصابعه كلها، و أن لا يأكل من ذروة القصعة و لا وسط الطعام، و ليأكل من نواحيه، و أن لا يصمتوا على الطعام فإنه من سيرة العجم فليتكلموا بالمعروف، و لا يقطع اللحم بالسكين، فقد نهى عن ذلك، و لكن انهشوها نهشا، و لا يقطع الخبر بالسكين و يأكل من استدارة الرغيف. إلّا أن يكون في الخبز قلة و في الآكلين كثرة، فيستعان بتكسير الخبز على التفرقة، و لا يكثر قول: كل على أخيه فإن ذلك يحشمه و ربما قطعه، و لا ينبغي لأخيه أن يحوجه إلى تفقده في الأكل و تكرير قوله له: كل. و قال بعض الأدباء: أحسن الآكلين أكلا من لم يحوج صاحبه إلى تفقده في الأكل. و من حمل على أخيه مئونة القول، و لا يدع شيئا من المأكول يشتهيه لأجل نظر الغير إليه، فإنه من التصنّع، فإن تركه إيثارا لإخوانه أو قدمه إلى أخيه فحسن، و لا ينقص من أكله المعتاد في الوحدة، و إن زاد لأجل مساعدة الجماعة أو بنية فضل الأكل مع الإخوان فلا بأس بذلك، و الشرب في تضاعيف الأكل مستحبّ من جهة الطب مما لم يبتدئ به أو يكثر منه. يقال: إنه دباغ المعدة، و الشرب متكئا مكروه للمعدة أيضا من جهة الطب، و الأكل متكئا و نائما ليس من السنّة إلّا ما يتناول أو ينتقل به من الحبوب و ما في معناها. و قد رؤي علي رضي الله عنه و هو يأكل على ترس مضطجعا كعكا، و يقال: منبطحا على بطنه، و العرب تفعله. و في الخبر عن النبي صلى الله عليه و سلم: كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه، و املكوا العجين فإنه أعظم للبركة، و ما ردّ له من المأكول مع الجماعة فلا يرده في القصعة مع الثقل. فيأكله غيره، إن وقع بيده أكله و إلّا تركه مع الثقل، و لا نتمم الخلّ بالدسم ليطبع بالخل قبل اللحم. و يقال: إنّ الملائكة تحضر المائدة إذا كان عليها بقل. و في الخبر: أن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل من السماء كان عليها من كان البقول إلّا الكرّاث، و كان فيها سمكة عند رأسها خلّ و عند ذنبها ملح، و كان عليها سبعة أرغفة على كل رغيف زيتونتان و حبّ رمان، فهذا من أحسن الطعام إذا اتفق. فإن لم يكن فكما قال بعض الأدباء: إذا دعوت إخوانك فقدمت إليهم حصرمية و بورانية و سقيتهم ماء باردا فقد أكملت