قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٠٢ - الفصل الأربعون فيه كتاب الأطعمة و ذكر ما يجمع الأكل من السنن و الآداب و ما يشتمل على الطعام من الكراهة و الاستحباب
له في الجوع نية صالحة، و الذي يأكل بغير نية الآخرة للعادة و الشهوة و المتعة قد يجوع لغير الآخرة للعادة و الشهوة أيضا و التزين للخلق، و هذا من دقيق آفات النفوس. فحسن من يأكل بنية الآخرة و لأجل الله سبحانه و تعالى كحسن من جاع للَّه تعالى و بنية الآخرة، و إلا كان من أبواب الدنيا. فالطعام و الأكل يشتمل على مائة و سبعين خصلة ما بين فرض، و سنّة، و أدب، و فضيلة، و استحباب، و كراهة، و مروءة، و فتوة من طريق السلف و صنائع العرب، أول ذلك أن يكون المأكول حلالا، و علامة الحلال ثلاث: تكون عينه معروفة لم يخالطها عين ذمها العلم من ظلم و خيانة، و يكون سببه مباحا لم تحتوه بسبب محظور في الشرع لأجل هوى أو مداهنة في دين و دنيا، و يكون قد وافق فيه حكم السنّة لا يكون على وصف مكروه، ثم ينوي بالأكل التقوى على البرّ و التقوى و الاستعانة على خدمة المولى، و يعرف النعمة فيها أنها من المنعم وحده لا شريك له فيها، و يعتقد الشكر له عليها، و يؤثر التقلل على الاتساع، و القناعة على الحرص، و الأدب فيه على الشره، ثم غسل اليد في أوله للاستحباب، و في آخره للنظافة و التسمية في أوله، و الحمد في آخره، و الأكل باليمين. و يبتدئ بالملح و يختم به و أن لا يذم مأكولا و لا يعيبه إن أعجبه أكل و إلا تركه و القناعة بالمأكول من القسم و الرضا بالموجود من الرزق و أن تكثر الأيدي على الطعام. و في الخبر: اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه و تصغير اللقمة و تجويد المضغ، و أن لا ينظر في وجوه الآكلين، و لا يفقد مأكلهم، و أن يقعد على رجله اليسرى و ينصب اليمنى، و لا يأكل متكئا و لا مضطجعا، و لا يكون أول من يبتدئ بالأكل حتى يسبق صاحب المنزل، و الأكبر فالأكبر إلّا أن يكون إماما يقتدى به، أو يكون القوم منقبضين فيبسطهم بالابتداء، و لا يجمع بين التمر و النوى في طبق و لا يجمعهما في كفه، و ليضع النواة على ظهر كفه من فيه، ثم يلقيها كذلك و ما كان في معناه مما له عجم أو ثفل، و يستحبّ أنّ يأكل من التمر وترا سبعا أو إحدى عشرة و إحدى و عشرين، و أن يفطر على رطب إن وجده، و إلّا فتمر، فإن لم يجد فعلى الماء. و كان وهب بن منبه يقول: الصائم يزيغ بصره، فإذا أفطر على حلاوة رجع بصره، و لا يقرن بين تمرتين في الجماعة إلّا أن يفعلوا ذلك أو يستأذنهم، و أن يأكل بعد الجوع، و يرفع يده قبل الامتلاء بمقدار ثلث بطنه أو نصفه، كذلك سنّة السلف و هو أصح للجسم. و قال حكيم من أهل الطبّ: «إن الدواء الذي لا داء فيه هو أن لا تأكل الطعام حتى تشتهيه و ترفع يديك عنه و أنت تشتهيه». و في الخبر: أصل كل داء البردة. يقال: هي التخمة. و يقال في اختيار الحكماء: إنّ خادما لأرسطاطاليس استقضى رجلا من أهل السواد حاجة له فلم يفعل، فقال له: لعلك تحتاج