قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩٥ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
أي من الحلم و العلم و قيل ذو حظ عظيم عند الله عزّ و جلّ من النصيب و الجزاء و قد قال لقمان الحكيم قولا متوسطا: يا بني لا تكن حلوا فتبلع، و لا مرّا فتلفظ، المعنى: لا تمكن الناس من نفسك و لا تتابعهم في كل شيء فلا يبقوا عليك و ينبسطوا إليك، و لا تنافرهم و تخالفهم في كل شيء فيجانبوك و يرفضوك فيقعوا فيك. و قال بعض السلف: لا تصحب إلّا مريدا، و كل خليل لا يريد ما تريد فانبذ عنك صحبته. و قال بعض علماء العرب: الصاحب كالرقعة في الثوب إن لم تكن من جنسه شانته. و قال بعض الحكماء: «كل إنسان مع شكله كما أنّ كل طير مع جنسه». و قد كان مالك بن دينار يقول مثل هذا، و قد لا يتفق اثنان في عشرة و دوام صحبة، إلّا و في أحدهما وصف من الآخر و إنّ أشكال الناس كأجناس الطير. قال و رأى يوما غرابا مع حمامة فعجب من ذلك و قال: كيف اتفقا و ليسا من شكل قال: ثم طارا فإذا هما أعرجان فقال: من هاهنا اتفقا و يقال: إذا اصطحب اثنان برهة من الزمان و لم يتشاكلا في الحال فلا بدّ أن يفترقا. و قد أنشدنا بعض العرب لبعض الحكماء في معناه: و قائل لما تفرقتما فقلت قولا فيه إنصاف لم يك من شكلي ففارقته و الناس أشكال و آلاف و قد روينا في حديث أنّ الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف، تلتقي فتشام في الهواء. قيل معناه في المذهب و الخلق. و في هذا الخبر زيادة و لو أنّ مؤمنا دخل إلى مجلس فيه مائة منافق و فيه مؤمن واحد، لجاء حتى يجلس إليه. و لو أنّ منافقا دخل إلى مجلس فيه مائة مؤمن و فيه منافق واحد، لجاء حتى يجلس إليه. و قد ذكر لهذا الحديث سبب على ما ذكرناه، و هو أنّ امرأة عطّارة كانت بالمدينة من أحد فقدمت امرأة من مكة عطّارة و كانت مزاحة، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: على من نزلت قيل: على فلانة فقال: الأرواح جنود مجندة. و بعض العلماء يقول: إنّ الله خلق الأرواح ففلق بعضها فلقا، و قدر بعضها قدرا، ثم أطافها حول عرشه، فأي روحين من فلقتين تعارفا هناك فالتقيا تواصلا هاهنا في الدنيا و ترافقا، و أي روحين من قدرتين أو فلقة و قدرة اختلفا ثم و تناكرا هناك فاختلفا في الجولان، فإن هذين إذا ظهرا اليوم تباينا و تنافرا، فهذا تأويل الخبر عنده، فما تعارف منها أي في الطواف فتقابلا تعارفا هاهنا و ترافقا ائتلفا، و ما تناكرا ثم في الجولان فتدابرا تناكرا هاهنا اليوم في الخلق و الحال لما ظهرا فاختلفا، و ليس الائتلاف يقع بنفس الاجتماع و وقت الاتفاق، فإنما الائتلاف يكون بمجانسة الحال و مشاكلة الأخلاق، لأنهم شبهوا أجناس الناس بأجناس الطير، و قد يتفق الطيران من جنسين و يتجامعان في