قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩٧ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
لا تصحب أحدهما، فإن أحمد صاحب حديث. و في الحديث: اشتغال بالناس فإن صحبته ذهب ما تجد في قلبك من حلاوة الذكر و حب الخلوة، و أما بشر فلا يتفرغ لك و لا يقبل عليك شغلا بحاله، و لكن اصحب أسود بن سالم، فإنه يصلح لك و يقبل عليك، ففعل الرجل ذلك فانتفع به و إنما ضمه معروف رضي الله عنه إلى الأسود دونهما، لأنه كان أليق بحاله و أشبه بوصفه. و كذلك روينا في حديث المؤاخاة الذي آخى فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم بين أصحابه، فآخى بين اثنين شكلين في العلم و الحال آخى بين أبي بكر و عمر، و بين عثمان و عبد الرحمن، و هما نظيران. و آخى بين سلمان و أبي الدرداء و هما شكلان في العلم و الزهد، و آخى بين عمار و سعد و كانا نظيرين، و آخى بين عليّ و بينه رضي الله عنهم أجمعين، و صلّى الله على سيدنا محمد و آله أجمعين، و هذا من أعلى فضائله لأن علمه من علمه، و حاله من وصفه، ثم آخى بين الغني و الفقير ليعتدلا في الحال، و ليعود الغني على أخيه الفقير بالمال. قال أبو سليمان الداراني لأحمد بن أبي الحواري: إذا آخيت أحدا في هذا الزمان فلا تعاتبه على أمر تكرهه منه، فإنك لا تأمن أن يعنيك بشر من الأمر الأول. قال أحمد: فجربته فوجدته كما قال، و قال بعض العلماء: الصبر على مضض الأخ خير من معاتبته، و معاتبته خير من القطيعة، و القطيعة أحسن من الوقيعة. و قال بعضهم: كدر الجماعة خير من صفو الفرقة، و مثل الأخوة مثل الزجاجة الرقيقة ما لم تحفظها و توقها كانت معرضة للآفات، و استتمام الإخاء إلى خير الوفاة أشد من ابتدائها في حال الحياة. و قال بعض الأدباء: الناس أربعة: فواحد حلو كله فهذا لا يشبع منه، و آخر كله مر و هذا لا يؤكل منه، واحد فيه حموضة فخذ من هذا قبل أن يأخذ منك، و آخر فيه ملوحة فخذ منه إذا احتجت إليه. و قال بعض الأئمة: الناس أربعة فاصحب ثلاثة و لا تصحب واحدا، رجل يدري و يدري أنه يدري، فهذا عالم فاتبعه و رجل يدري و لا يدري أنه يدري فهذا نائم فنبهوه، و رجل لا يدري و يدري أنه لا يدري فهذا جاهل فعلموه، و رجل لا يدري و لا يدري أنه لا يدري فهذا منافق فاجتنبوه، و مثل هذا الرابع قول سهل: ما عصي الله عزّ و جلّ بمعصية شر من الجهل، و أعظم من الجهل الجهل بالجهل. و قال بعض الأدباء: الناس ثلاثة: فاصحب رجلين و أهرب من الثالث: رجل أعلم منك فاصحبه تتعلم منه، و رجل أنت أعلم منه يقبل منك فاصحبه تعلمه، و رجل معجب بنفسه لا علم عنده و لا تعلم فاهرب من هذا. و قال محمد بن الحنفية رضي الله عنه: ليس بلبيب من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدّا، حتى يجعل الله له منه فرجا، فمعاملته عني يتقي و مخالطته إخوان الاضطرار و معاشرة التقي و مصافاته من أحس الإحسان. و كان أبو مهران