قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٩٨ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
يقول: أخرج من منزلي فأنا بين ثلاثة، إن لقيت من هو أعلم مني فهو يوم فائدتي أتعلم منه، و إن لقيت من هو مثلي فهو يوم مذاكرتي، و إن لقيت من هو دوني فهو يوم مثوبتي أعلمه فأحتسب فيه الأجر. و قال أبو جعفر محمد بن علي لابنه جعفر بن محمد عليهم السلام: لا تصحبن من الناس خمسة، و اصحب من شئت، الكذاب فإنك منه على غرر، و هو مثل السراب يقرب منك البعيد و يبعد منك القريب، و الأحمق فإنك لست منه على شيء، يريد أن ينفعك فيضرك، و البخيل فإنه يقطع بك أحوج ما تكون إليه، و الجبان فإنه يسلمك و ماله و نفسه عند الشدة، و الفاجر فإنه يبيعك بأكلة أو بأقل منها، قلت: و ما أقل منها قال: الطمع. روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنّ رجلا صحبه في طريق فدخل النبي صلى الله عليه و سلم غيضة، فاجتنى سواكين من أراك أحدهما معوج و الآخر مستقيم، فأخذ المعوج و أعطى صاحبه المستقيم، فقال الرجل: أنت أحق بالمستقيم مني، فقال النبي صلى الله عليه و سلم: ما من صاحب يصحب رجلا و لو ساعة من نهار إلّا سأله الله عن صحبته، هل أدّى فيها حق الله عزّ و جلّ أم لا، فكرهت أن يكون لك على حق لم أرده، و اعلم أنّ الأخوة في الله عزّ و جلّ، و المحبة في الله تعالى و حسن الصحبة كانت طرائق السلف الصالح، قد درست اليوم محاجها و عفت آثارها، فمن عمل بها فقد أحياها، و من أحياها كان له مثل أجر من عمل بها، فمن رزقه الله أخا صالحا تطمئن به نفسه، و يصلح معه قلبه فهي نعمة من الله عزّ و جلّ مضافة إلى محاسن نعمه، و الحمد للَّه وحده و صلّى الله على سيّدنا محمد و آله.