قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٧ - ذكر فضل التارك للتكسب
و روي عن الحسن البصري: إذا حمد المريض الله عزّ و جلّ و شكره ثم ذكر علّته، لم يكن ذلك شكوى. و قد كان أحمد بن حنبل لا يخبر بأمراضه إذا سئل عنها، ثم رجع إلى قول الحسن هذا، فكان بعد ذلك يحمد الله و يثني عليه و يقول: أجد كذا و أجد كذا. و روي أنه قيل لعلّي رضي الله عنه في مرضه: كيف أنت؟ فقال: بشر، فنظر بعضهم إلى بعض كأنهم كرهوا ذلك فقال: أ تجلد على الله، كأنّه أحبّ أن يظهر افتقاره إلى الله، و أراد أيضا أنّ يعلمهم أنّه لا بأس بذلك لأن من يقول: بخير إذا سئل كثير، كما قال الثوري: إنما العلم الرخصة من ثقة، فأما التشديد فكل أحد يحسنه. فكان عليّ رضي الله عنه أراد أن يتحقق بتأديب النبي صلى الله عليه و سلم له و نهيه إياه عن إظهار القوى، لأنه روي أنه مرض فسمعه النبي صلى الله عليه و سلم يقول: اللّهم، صبرني على البلاء فقال: لقد سألت الله البلاء و لكن سل الله العافية. و من هنا قال مطرف: لأن أعافى فأشكر أحب إليّ من أن أبتلي فأصبر، لأن البلاء طريق الأقوياء. و كره أهل الإشفاق و الخشية إظهار الجلد و القوّة بين يدي القوي العزيز. و قد حكي أنّ الشافعي مرض مرضة شديدة بمصر فكان يقول: اللّهم، إن كان في هذا رضاك فزدني منه. فكتب إليه بعض العلماء و هو إدريس بن يحيي المعافري. يا أبا عبد الله. لست من رجال البلاء فسل الله العافية، فرجع عن قوله هذا و استغفر منه، فبعد هذا و الله أعلم، لعلّه ما حكي عنه أنه كان يقول في دعائه: اللّهم اجعل خيرتي فيما أحببت. ذكر فضل التارك للتكسب قد يفضل التارك للتكسب شغلا بالعبادة عن المتكسب، من حيث فضل المتقدّمون الزاهد في الدنيا على كاسب المال حلالا و منفقه في سبيل الله. و سئل الحسن عن رجلين، أحدهما محترف و الآخر مشغول بالتعبد: أيهما أفضل؟ فقال سبحان الله ما اعتدل الرجلان المتفرغ لعبادة أفضلهما. و قد روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: كفى بالموت واعظا و بالتقوى غنى و بالعبادة شغلا. و قد علم التارك للتكسب توكلا على الله و ثقة به و رعاية لمقامه و صبرا على فقره و شغلا بمعاده عن معاشه و مقاساة الفتنة. إنّ مولاه قد تكفّل له برزقه في الدنيا و قد وكل إليه عمل الآخرة، و أنه إن شغل بما وكله إليه من عمل آخرته أقام له من يقوم بكفايته من دنياه، فلو لم يتصرف المتوكل تصرف له غيره، و إنّ عمل آخرته الذي وكّله إليه هذا فلم إن لم يعمله لم يقم غيره مقامه. و إنّ الله تكفل له بعمل الدنيا، فإن لم يعمل لعمل له سواه كيف شاء. فهذا هو الفرق بين ما تكفل له به من عمل الدنيا و بين ما وكّله به من عمل الآخرة. قال الله سبحانه في رزق الدنيا الذي تكفل به: وَ كَأَيِّنْ من دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا الله يَرْزُقُها وَ إِيَّاكُمْ [العنكبوت: ٦٠]، و قال تعالى في