قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٦١ - فصل
فرجع إلى الجماعة و المساجد. و من التباس الفضائل العالية ترك العبد حاله في مقامه طلبا للفضيلة ليزداد بها قربا إلى الله عزّ و جلّ فينقلب عليه فيهلك ما أدخل العدو على برصيصا العابد في تعليم الاسم الأعظم و قصته مشهورة. فالعالم عند العلماء من علم خير الخيرين فسبق إليه قبل فوته و علم شرّ الخيرين فأعرض عنه لئلا يشغله عن الأخير منها، و علم أيضا خير الشرين ففعله إذا اضطر إليه و ابتلى به، و علم شرّ الشرين فأمعن في الهرب منه و احتجب بحجابين عنه و هذا من دقائق العلوم. فصل و قد تلتبس النية بالأمنية فتخفى و الهمة و بالوسوسة فتشتبه، و النية ما كان يراد به وجه الله عزّ و جلّ و يطلب به ما عنده، و الأمنية ما تعلق بالخلق و طلب منه عاجل الحظ من الملك الفاني، و قد تلتبس الإرادة بالمحبة و الحاجة بالشهوة، فالإرادة أن يريد وقوع الأمر و قد لا يحبّ كونه أو يريد أيضا وجود ضده، و المحبة ما قهر العقل و غلب الوجد و حلّ في مجامع القلب و كره وجود غيره و لم يرد فقده، و الحاجة ما اضطررت إليه، و لم يكن منه بدا و لا يستغني عنه بغيره، و الشهوة مزيد لذّة و استدعاء فضل فآفة و اجتلاب تقدم عادة. و قد يختلط الذكر بالقلب بالفكر في معاني القرب، فالذكر ما أظهر النسيّ و كشف الغيّ و أذكر الشكر، و الفكر ما صوّر الأمر و أظهر الخبر. و قد يلتبس الرجاء بالمحبة. و الهوى بالنية. فالرجاء ما طمعت فيه بسبب ما و المحبة ما تطمعت ذوقه وجدته بغير تسبب تستخرجه و قد يلتبس ذل القلب بضعفه و موته للطمع في الخلق بذلك النفس لمشاهدة عز الخالق سبحانه و تعالى، و قد يتداخل ذلّ الطمع لدناءة الهمة و النفس بذل العقل للاعتراف بالحق و خضوع العلم له، و قد يلتبس ذلّ النفس لغلبة الهوى و قهره للعقل بذل القلب لسرعة الانقياد للعالم المحقّ. و قد يختلط عزة القلب بمقلبه بدوام النظر إليه و عزة العقل بعمله الذي كبر عنده، و قد تلتبس عزة النفس بوصفها المتسلّط بعزة الإيمان، المعزز بغيبة اليقين، فهذه فروق ظاهرة للعارفين و خروق متسعة ترهب الغافلين، و قد تلتبس العبادة بالعادة مثل أن يكون للعبد نية في علم أو عمل أو صدقة أو نفقة الشهر و السنة ثم تعزب نيته فيبقى على عادته يرب حاله الذي قد عرف به، لا يحبّ أن يخرج من عرف الناس فيتعمل لاستقامة الحال على التكلّف بتلك الأعمال فتذهب النية و تبقى العادة فيخرج بذلك من إرادة الآخرة و السعي لها، و يدخل في إرادة الدنيا بالشهوات على جريان العادة بها. و قد يشهد شهادة الدنيا من طلب الرئاسة لوجود الهوى بطرقات الآخرة في معنى العلوم و الأعمال فما طلب من أعمال السلف و أريد به تأديب النفس و يعلم به الزهد في