قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٣٩ - الفصل السابع و الأربعون فيه ذكر حكم المتسبب للمعاش و ما يجب على التاجر من شروط العلم
المباحة، فإذا كان متجنبا لهذه المعاني لم يشهد أحدها بعينه أو لم يعلمه من عدل فكسبه حينئذ من شبهة، و لا يكون مع ذلك حلالا لإمكان دخول أمر هذه الأسباب فيه، و لأنه على غير يقين معاينة منه لصحة أصله و أصل أصله لقلّة المتقين و ذهاب الورعين إلّا أنه شبهة الحلال. و في الخبر: أنّ النبي صلى الله عليه و سلم أتى بلبن فقال: من أين لكم هذا؟ فقيل له: من شاة كذا. فقال: و من أين لكم هذه الشاة؟ فقيل: من وضع كذا. فشرب منه ثم قال: إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن لا نأكل إلّا طيّبا و لا نعمل إلّا صالحا. و قال الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا من طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: ١٧٢]. فسأل النبي صلى الله عليه و سلم عن أصل الشيء و أصل أصله و لم يسأل عمّا وراء ذلك، لأنه قد يتعذر و لا يوقف على حقيقته، و لأنّ أموال التجار و الصناع قد اختلطت بأموال الأجناد، و هم يأخذون ذلك بغير استحقاق، فكأنه من أكل المال بالباطل إذ قد أوقفوا نفوسهم، و ارتبطوا دوابهم في سبيل الهوى، فصاروا يأخذون العطاء بغير حق، و لا يملكون ذلك، ثم ينتشر ذلك في أموال التجار و اصناع و هم لا يميزون بين ذلك و لا يرغبون عنه لقلة التقوى و عدم الورع، فلذلك غلب الحرام لأنّ الحلال إنما هو فرع للتقوى و الورع، إذا كثر المتّقون و ظهر الورعون كثر الحلال و ظهر، و إذا قلّوا فشاء الحرام و انتشر فصار الحلال مستهلكا غامضا في الحرام لغربة الورعين و خفية المتّقين، و إنما كان الحلال في القرن الأول موجودا لوجود السلف الصالح. و كان الناس ورعين و كانوا لا يأخذون ما ليس لهم بحق فكانوا متّقين و كانوا يتركون بعض حقّهم خشية دخول الشبهة عليهم، فمن أجل ذلك كان الحلال كثيرا. و قد حكى عن بعض فقهاء العراق أعرف أنه قال: لا أقبل شهادة شحيح. قيل: و لم؟ قال: الشحّ يحمله على استيفاء حقّه، و في استيفاء حقّه أخذه ما ليس له. ثم قال: حدثني عطاء عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ما استقصى كريم قط. و تلا قوله عزّ و جلّ: عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ [التحريم: ٣]. و في الخبر: كما نترك سبعين بابا من الحلال مخافة باب واحد من الحرام. و قال الحسن: أدركت من مضي يعرض على أحدهم المال الحلال فيقول: لا حاجة لي به، أخاف أن يفسد على قلبي، قد كانت الأئمة عدولا فكانت الجنود معاونين لهم على التقوى يأخذون عطاءهم بحق. و في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذكر الخيل: اختصرناه. قال: و الخيل لرجل