قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠٦ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
و قد روينا في التفسير عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله عزّ و جلّ: الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله [الرعد: ٢٨]. قال: هشت إليه و أنست به. و في مقام الأنس يكون التملق و المناجاة، و معه تكون المحادثة و المجالسة، و معنى من البسط. و لا يحبّ الله تعالى هذا النوع من الإدلال إلّا ممن أقامه مقام الأنس، و لا يحسن ذلك إلّا منهم لنحو قول موسى عليه السلام في مقام الأنس: يا رب لي ما ليس لك. قال: و ما هو؟ قال: لي مثلك و ليس لك مثل نفسك. قال: صدقت. معنى قوله: مثلك أي لي أنت كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ [الشورى: ١١]، معناه ليس كهو شيء لأنّه لا مثل له، فيكون لمثله مثل إذ لا يكون لمثله مثل، و العرب تعبر بالمثل عن نفس الشيء و فوق هذا من البسط ما أخبر الله تعالى عنه أنّه قال مواجها للجليل العظيم: إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون. و أعظم من هذا قوله: اذهب إلى فرعون. فقال مجيبا له، فأرسل إلى هارون و لهم عليّ ذنب. و مثله قوله: إني أخاف أن يكذبون و يضيق صدري فحسن هذا منه، لأنّه أقامه مقام البسط بين يديه و الأنس به، و لأنّ مكانه لديه مكان محبوب، فأدلّ به عليه فحمله ذلك، و هذا من غير موسى في غير هذا المقام من سوء الأدب بين يدي المرسل، و لم يحتمل ليونس عليه السلام خاطرا من هذا القول لما أقيم مقام القبض و الخوف، حتى عوقب بالسجن في بطن الحوت في البحر، في ظلمات ثلاث، و نودي عليه إلى يوم الحشر، لو لا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء و هو مذموم. و قيل: عراء القيامة. و نهى الله تعالى حبيبه صلى الله عليه و سلم أن يقتدي به في القول و الفعل فقال تعالى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَ هُوَ مَكْظُومٌ [القلم: ٤٨]، و قد قال تعالى: مِنْهُمْ من كَلَّمَ الله وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ [البقرة: ٢٥٣]، و احتمل لإخوة يوسف ما عزموا عليه و اعتقدوه و ما فعلوه و ما أسروه من قولهم: اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم إلى نحو ذلك من الكلام و الفعال، و لقد عددت من أول قولهم ليوسف و أخوه أحبّ إلى أبينا منا إلى رأس العشر من أخباره عنهم في قوله، و كانوا فيه من الزاهدين نيفا و أربعين خطيئة بعضها أكبر من بعض، قد يجتمع في الكلمة الواحدة الأربعة و الخمسة من الخطايا، و دون ذلك و فوقه بدقائق الاستخراج و معرفة خفايا الذنوب، فغفر لهم ذلك إن كانوا في مقام محبوبين، و لم يحتمل لعزيز مسألة واحدة سأل عنها في القدر حتى قيل محي من ديوان النبوة. و قد قال الله تعالى فوق ذلك كله: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ من بَعْدِهِ [البقرة: ٩٢]، ما جاءتكم البيّنات فعفونا عن ذلك، فإن شاء أن يعفو عفا عن العظائم فلم يعظم عليه شيء، و إن شاء طالب و ناقش على الصغائر، و لا تصغر الذرة و الخردلة عن مطالبته، و كيف يصغر ذنب ممن