قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠٤ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
بالتوحيد مقام الغيرة عليه، فهذا إذا طولعوا به مقام الموحدين من الصديقين، و قد روينا في دلائل المحبّ و أوصافه أبياتا عن يحي بن معاذ، و أبي تراب النخشبي، و عن أبي سعيد الخراز أي أيضا على قافية واحدة في معان متقاربة، و هي جامعة مختصرة في نعت المحبين من المريدين، و في وصف السائحين من المرادين بالتقرّب و الانقطاع أولى الأحوال و المشاهدات الرفاع، فالذي روينا عن أبي تراب هذه الأبيات: لا تخدعنّ فللمحبّ دلائل و لديه من تحف الحبيب وسائل منها تنعّمه بمر بلائه و سروره في كل ما هو فاعل فالمنع منه عطية مقبولة و الفقر إكرام و لطف عاجل و من اللطائف أن يرى من عزمه طوع الحبيب و إنّ ألحّ العاذل و من الدلائل أن يرى متبسّما و القلب فيه من الحبيب بلابل و من الدلائل أن يرى متفهّما لكلام من يحظى لديه السائل و من الدلائل أن يرى متقشفا متحفظا من كل ما هو قائل و الذي رويناه عن يحيى بن معاذ: و من الدلائل أن تراه مشمّرا في خرقتين على شطوط الساحل و من الدلائل حزنه و نحيبه جوف الظلام فما له من عادل و من الدلائل أن تراه مسافرا نحو الجهاد و كل فعل فاضل و من الدلائل زهده فيما يرى من دار ذلّ و النعيم الزائل و من الدلائل أن تراه باكيا أن قد رآه على قبيح فاعل و من الدلائل أن تراه مسلّما كل الأمور إلى المليك العادل و من الدلائل أن تراه راضيا بمليكه في كل حكم نازل و من الدلائل ضحكه بين الورى و القلب محزون كقلب الثاكل و الذي رويناه عن أبي سعيد الخراز دخل فيما ذكرناه عنهما، و أحسب أنه أخذه منها لأنهما أقدم منه، إلا أنّ قوله كان أحد عشر بيتا فقط، و جميع ما قدمنا ذكره من العلامات و الدلالات هي أوصاف المحبين، و كل محبّ للَّه فعن محبة الله، لأنّ وجود العبد لمحبته للَّه علامة غيب محبة الله له، يبين ذلك الغيب له في هذه الشهادة إلّا أنّ في المحبة مقامين، مقام تعريف و مقام تعرّف، فمقام التعريف هو معرفة العموم و هذا قبل المحبة الخاصة، و مقام التعرّف معرفة الخصوص و هذا بعد محبة العموم، و هو مزيد الحب الأول،