قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٨٣ - ذكر أحكام المحبة و وصف أهلها و هو المقام التاسع من مقامات اليقين
عبدا لم يضره ذنب، و التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ثم تلا: إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، و قد اشترط الله للمحبة غفران الذنوب بقوله تعالى: يُحْبِبْكُمُ الله وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران: ٣١]. فكل مؤمن باللَّه فهو محب للَّه، و لكن محبته على قدر إيمانه، و كشف مشاهدته و تجلي المحبوب له على وصف من أوصافه، دليل ذلك استجابتهم له بالتوحيد و التزام أمره و تسليم حكمه، ثم تفاوتهم في مشاهدات التوحيد، و في دوام الالتزام للأوامر و في تسليم الأحكام، فليس ذلك يكون إلا عن محبة. و إنّ تفاوت المحبون على حسب أقسامهم من المحبوب، و ليس يقصر عن المحبة صغير كما لا يصغر عن المعرفة من عرف، و لا يكبر عن التوبة كبير و لو كان على كل العلوم قد أوقف، لأنّ الله تعالى وصف المؤمنين بشدة الحبّ له فقال تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة: ١٦٥]. و في قوله أشدّ دليل على تفاوتهم في المحبة لأنّ المعنى أشدّ فأشدّ و لم يقل شديد، و الحب للَّه. فأشبه هذا الخطاب قوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣]. فدلّ على تفاوتهم في الإكرام على قدر تفاضلهم في التقوى و لم يقل: إنّ الكرام المتقون. و روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنّ الله يعطي الدنيا من يحبّ و من لا يحبّ، و لا يعطي الإيمان إلا من يحب. فالمؤمنون متزايدون في الحبّ للَّه عزّ و جلّ عن تزايدهم في المعرفة به و المشاهدة له. و قد جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم الحبّ للَّه من شرط الإيمان قال: أن يكون الله و رسوله أحبّ إليه مما سواهما. و في حديث: لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله و رسوله أحبّ إليه مما سواهما. و في خبر آخر أشدّ توكيدا و أبلغ من هذين قوله: و الله، لا يؤمن العبد حتى أكون أحبّ إليه من أهله و ماله و الناس أجمعين. و في خبر آخر: و من نفسك. و قد أمر صلى الله عليه و سلم بالمحبة للَّه فيما شرعه من الأحكام فقال أحبّوا الله لما أسدى إليكم من نعمه، و أحبّوني لحبّ الله. فدلّ ذلك على فرض الحبّ للَّه و إنّ تفاضل المؤمنون في نهايات فضائله. و من أفضل ما أسدى إلينا من نعمه المعرفة به. فأفضل الحبّ له ما كان عن المشاهدة. و المحبون للَّه على مراتب من المحبة، بعضها أعلى من بعض. فأشدهم حبّا للَّه أحسنهم تخلقا بأخلاقه مثل العلم و الحلم و العفو و حسن الخلق، و الستر على الخلق، و أعرفهم بمعاني صفاته و أتركهم منازعة له في معاني الصفات كي لا يشركوه فيها، مثل الكبر و الحمد و حب المدح و حب الغنى و العز و طلب الذكر، ثم أشدهم حبّا لرسوله إذ كان حبيب الحبيب و أتبعهم لآثاره أشبعهم هديا لشمائله. و قد روي أنّ رجلا قال: يا رسول الله إني أحبك فقال: استعد للفقر فقال: إني أحبّ الله فقال: استعد للبلاء. و الفرق