قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٨٥ - ذكر أحكام المحبة و وصف أهلها و هو المقام التاسع من مقامات اليقين
يكره الموت إلا مريب، و هو كما قالا: لأن الحبيب على كل حال لا يكره لقاء الحبيب. و هذا لا يجده إلا عبد يحبّ الله بكل قلبه، عندها يشتاق إليه مولاه فينزعج القلب لشوق الغيب، فيحبّ لقاءه. و روي أنّ أبا حذيفة بن عتبة بن زمعة لما تبنى سالما مولاه، عاتبته قريش في ذلك و قالوا: أنكحت عقيلة من عقائل قريش بمولى فقال: و الله، لقد أنكحته إياها و أني لأعلم أنه خير منها. فكان قوله أشد عليهم قالوا: و كيف؟ و هي أختك و هو مولاك فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: من أراد أن ينظر إلى رجل يحب الله بكل قلبه فلينظر إلى سالم، فمن الدليل أنّ من المؤمنين من يحبّ الله ببعض قلبه فيؤثره بعض الإيثار، و يوجد فيه محبة الاعتبار. و منهم من يحبه بكل قلبه فيؤثره على ما سواه، فهذا عابدة و مألوهه الذي لا معبود له و لا إله إياه، و فيه دليل على أنهم على مقامات المحبة عن معاني مشاهدات الصفات ما بين البعض في القلوب و الكلية. و قد كان نعيمان يؤتي به رسول الله صلى الله عليه و سلم فيجده في معصية يرتكبها إلى أن أتى به يوما فحده فلعنه رجل و قال: ما أكثر ما يؤتى به رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: لا تفتعل فإنّه يحب الله و رسوله، فلم يخرجه من المحبة مع المخالفة. و قد قال بعض العارفين: إذا كان الإيمان في ظاهر القلب يعني على الفؤاد كان المؤمن يحب الله حبّا متوسطا، فإذا دخل الإيمان باطن القلب فكان في سويدائه أحبه الحب البالغ، و محبة ذلك أن ينظر، فإن كان يؤثر الله على جميع هواه و يغلب محبته على هوى العبد، حتى تصير محبة الله هي محبة العبد من كل شيء، فهو محب للَّه حقّا. كما أنه مؤمن به حقّا. و إن رأيت قلبك دون ذلك فلك من المحبة بقدر ذلك، فأدلّ علامات المحبة الإيثار للمحبوب على ذخائر القلوب. و لذلك وصف الله المحبين بالإيثار، و وصفه العارفون بذلك. فقال تعالى في وصفه المحبين: يُحِبُّونَ من هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً [الحشر: ٩]. ثم قال تعالى: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ [الحشر: ٩]. و قال في وصفه: تاللَّه لقد آثرك الله علينا. و قال بعض العلماء: إنّ ظاهر القلب محل الإسلام، و إن باطنه مكان الإيمان. فمن هاهنا تفاوت المحبون في المحبة لفضل الإيمان على الإسلام، و فضل الباطن على الظاهر. و فرّق بعض علمائنا البصريين بين القلب و الفؤاد، فقال: الفؤاد مقدم القلب و ما استدق منه، و القلب أصله و ما اتسع منه. و قال مرة: في القلب تجويفان، فالتجويف الظاهر هو الفؤاد و هو مكان العقل، و التجويف الباطن هو القلب و فيه السمع و البصر و عنه يكون الفهم و المشاهدة، و هو محل الإيمان. و قد قال الله: كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [المجادلة: ٢٢] و قال: إنّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد، فمحبة الإسلام مفترضة على الخلق و هي متصلة