قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٩٣
يزهد في شيء واحد فليس من الزاهدين، و قد روي عطية السعدي عن النبي صلى الله عليه و سلم لا يكون الرجل من المتّقين حتى يترك ما لا بأس به حذارا به البأس. و روينا عن أبي الدرداء: إنما التقوى أن يتقي الله العبد في مثقال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما، يكون حجابا بينه و بين الحرام. و بمعنى هذا ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: كنا نترك سبعين بابا من الحلال مخافة باب واحد من الحرام، و هذا طريق قد مات أهله، فمن سلكه فقد أحياهم فأما أموال التجار و الصناع و المتصرفين في المعايش المباحة بالأسباب الجائزة في العلم. مع موافقة الكتاب و السنّة فهي شبهات، ثم تتنوع بنوعين: فتكون شبهة حلال إذا عاملت المتّقين و أخذت من الورعين، و تكون شبهة حرام إذا عاملت قليلي التقوى و الورع. و أما غير ذلك من أموال الجند فإنه حرام لفساد سببه و لمخالفة الأحكام، فما كان عن معاملة لهم و كسب و لم تعلم شيئا بعينه غصبا و لا جناية فهو أسهل، و ما علمته فهو نص الحرام. فاللّه الله في نفسك انظر أيها المسكين لمعادك و احفظ لدينك، فإنّ كسبك من دينك و طمعتك من إيمانك، فإن تهاونت بذلك فقد تهاونت بالدين، و نبذت الأحكام و ضيعت اليوم نفسك و لم تنظر فيما قدمت لغد و نعوذ باللّه من سوء القضاء. و يقال إنّ العدو إذا ظفر من العبد بسوء الطعمة لم يعترض عليه في الأعمال. و قال: قد ظفرت منك بحاجتي، اعمل الآن ما شئت و لم يعد عليه من أعماله إلّا ظلمة في قلبه، و قسوة و ضعفا في عزيمة، و فتورا و معصية و حرم التوفيق و العصمة، و لم يورث علم المكتوب و الحكمة، فإن كان المتصرف في السوف على الوصف المكروه. مخالفا للعلم في تصرفه مفارقا للأحكام لا يبالي من أي وجه ظهر و بأي سبب عليه قدر، غير متّق في كسبه و لا مراع لدين الله عزّ و جلّ فيه و حكمه، فهو آكل للمال بالباطل قاتل لنفسه مفسد لدينه غاش للمسلمين، و الله لا يصلح عمل المفسدين كما لا يضيع أجر المصلحين، و مع ذلك فهو غير ناصح للَّه عز و جلّ و لخلقه في الدين، مقامه في الظلم و حاله الهوى. و الله لا يحب الظالمين، فهو مأمور بالتوبة في جميع تصرفه مفترض عليه الإنابة في جميع تقلبه قبل أنّ يبغته الموت و يفجأ الفوت، فيلقى الله تعالى ظالما ذا هوى فقد قال تعالى: وَ من لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: ١١]، و قال تعالى: وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [الشعراء: ٢٢٧]، و قال بعض الحكماء: الدنيا بحر عجاج و التجار فيه غاصة، فواحد يغوص فيخرج درا، و هؤلاء أبناء الآخرة الذين لها يعملون. و آخر يغوص فيخرج آجرا و هؤلاء عمال الدنيا الذين عليها يحرصون، و آخر يخرج سمكا، و هؤلاء المقتصدون، و آخر في قعره قد غرق، و هؤلاء المطرودون عن الطاعة إلى