قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٩٢
بات في قرية جائعا قام إلى الغداة لم يقدر أن يصلّي من الجوع. أعطاه الله في منزله جميع صلاة المصلّين القائمين في قريته، قيل: و كيف ذلك، قال: طلب الحلال. فلم يجده فكره أن يدخل جوفه حراما فبات طاويا فله أجر المصلين القائمين في تلك الليلة و هو سليمان التيمي رحمه الله ترك أكل الحنطة، فقيل له في ذلك. فقال: إنها تطحن في هذا الأرحى. فقال: المسلمون شركاء في الماء و هؤلاء يأخذون خراجها دون سائر الناس. و حدثت أنّ امرأة أهدت إلى بشر بن الحارث سلة عنب. فقالت: هذه من صنيعة أبي فردها بشر عليها. فقالت: سبحان الله تشك في كرم أبي و في صحة ملكه و ميراثي منه و شهادتك مكتوبة في كتاب الشراء. فقال: صدقت ملك أبيك و لكنك أفسدت الكرم. قالت: بما ذا؟ قال: سقيته من نهر طاهر يعني طاهر بن الحسين بن مصعب بن عبد الله بن طاهر صاحب المأمون، و هذا النهر هو الخندق المعترض في الجانب الغربي، لم يكن يشرب من الخندق و لا يمشي على الجسر و قد كان بشر يقول: منذ ثلاثين سنة أشتهي شواء و ما أتركه زهدا فيه و لو صحّ لي درهمه لأكلته، فهذه سيرة المتقدمين و طريق السالفين، من سلكها لحق بهم و كان كأحدهم، و من خالفها فليس على سنّة السلف، و لا من صالحيّ الخلف و سعة رحمة الله الواسعة بمشيئته السابقة، فاعتبروا يا أولي الأبصار، و قد كان من سيرة القدماء من أهل الورع أن لا يستوعب أحدهم كليّة حقّه بل يترك شيئا خشية أن يستوفي الحلال كله، فيقع في الشبهة. فإنه يقال: من استوعب الحلال حام حول الحرام. فكانوا يستحبون أن يتركوا بينهم و بين الحرام من حقهم حاجزا من الحلال لقول الرسول صلى الله عليه و سلم: من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه. و منهم من كان يترك من حقه شيئا لغير هذه النية، و لكن لقول الله عزّ و جلّ: إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ [النحل: ٩٠] قالوا: فالعدل أن تأخذ حقك كله و تعطي الحق. و الإحسان أن تترك بعض حقك و تبذل فوق ما عليك من الحق لتكون محسنا، و لأن الله تعالى كما أمر بالعدل قد أمر بالإحسان لقوله: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٨٠- ٢٣٦]، و هذه الطريقة قد جهلت من عمل بها فقد أظهرها. حدثونا عن بعضهم قال: أتيت بعض الورعين بدين له عليّ و كان خمسين درهما. قال: ففتح يده فعددت فيها إلى تسع و أربعين درهما فقبض يده. فقلت: هذا درهم قد بقي لك من حقك. قال: قد تركته لك إني أكره أن أستوعب مالي كله، فأقع بما ليس لي. قد كان عبد الله بن المبارك و غيره يقول: من اتّقى من تسعة و تسعين شيئا و لم يتّق من شيء واحد لم يكن من المتّقين، و من تاب من تسعة و تسعين ذنبا و لم يتب من ذنب واحد لم يكن من التوّابين، و من زهد في تسعة و تسعين شيئا و لم