قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٩١
المصائب، فإنما هو تزهد لك في الدنيا إن فطنت لذلك، و كل ما صرف عنك مثل هذا فهو خير، و إن كرهت. و في الخبر: ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطن و لو كان من حلال، فإن كان لا بدّ فثلث طعام. و ثلث شراب، و ثلث نفس، فقد صار الأكل في ثلث البطن خير من الأكل ملأه لأنه شرّ، و ما نقص من الشر فهو خير. و في الخبر: ما شيء أبغض إلى الله من بطن مليء و لو من حلال. و قد جاء في الخبر: لا يعذّب الله عبدا جعل رزقه في الدنيا قوتا. و في قوله تعالى: وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى [طه: ١٣١] قيل: يوم بيوم، و قيل: القناعة، و قد كان المسلمون يتورّعون عن الشبهات في وقت العدل، و مع وجود الفضل. حدثونا: أنّ الفضل بن عياض و ابن عيينة و ابن المبارك رضي الله عنهم، اجتمعوا عند وهيب بن الورد بمكة، فذكروا الرطب فقال وهيب: هو أحبّ الطعام إليّ إلّا أني لا آكله، قيل: و لم؟ قال: لأنه قد اختلط رطب مكة بهذه البساتين التي اشتروها هؤلاء، يعني زبيدة و أشباهها. فقال له ابن المبارك: رحمك الله إن نظرت إلى مثل هذا، ضاق عليك الخبز. فقال: و ما سببه؟ قال: نظرت في أصول الضياع بمصر فإذا هي قد اختلطت بالصوافي، قال: فغشي على وهيب. فقال له سفيان: ما أردت بهذا؟ قتلت الرجل. قال ابن المبارك: و الله ما أردت إلّا أنّ أ هوّن عليه، قال: فلما أفاق وهيب قال للَّه عليّ أن لا آكل خبزا أبدا حتى ألقاه. قال: فكان يشرب اللبن. قال: فأتته أمه بلبن فقال: من أين لك هذا؟ قالت من شاة بني فلان. قال: و من أين لهم ثمنها؟ قالت: من كذا و كذا، فرضيه. فلا أدناه من فيه، قال: قد بقي شيء فأين ترعى هذه الشاة؟ فسكتت، فقال: لتخبريني، فإذا هي ترعى مع غنم لابن عبد الصمد الهاشمي أمير مكة في الحي. فقال: هذا اللبن للمسلمين، فيه حق لا يحل لي أن أشربه دونهم، و هم شركائي فيه، فقالت له أمه: اشربه فإن الله يغفر لك. فقال: ما أحبّ أني شربته و أنه غفر لي. قالت: و لم؟ قال: أكره أن أنال مغفرته بمعصية. و قد كان لطاوس اليماني بضاعة يتجر له فيها من التمر، فاشترى مضاربه ببضاعة أديما من بعض أولياء السلطان و كتب إليه بذلك، و كتب إليه طاوس: أفسدت علينا مالنا، ما أحبّ أن أتلبس بشيء منه فبع الأديم باليمن، و تصدق بثمنه، و لا تدخل منه إلى الحرم درهما واحدا، و أنا استغفر الله من طعمة الفقراء، و أرجو أن أنجو كفافا لا عليّ و لا لي. فيقال: إنّ ذلك كان سبب فقره و لم يكن له مال غيره، فبقي بغير معلوم من دنيا، و كان خالد القشيري لما ولّي مكة بعد ابن الزبير أجرى نهرا في طريق أهل اليمن إلى مكة، فكان طاوس و وهب بن منبه اليمانيان رضي الله عنهما إذا مرّا عليه لم يتركا دوابهما أن تشرب منه. و قد كان سهل رحمه الله يقول: رجل