قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٧٣ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
أحدهما، و التقرب إلى الله عزّ و جلّ، و يكون من الأعلى منهما لنيات تكون له فيها لحسن خلقه، أو لجميل معاملته، أو لمعان محمودة تكون فيه، لأن لكل مؤمن سديدا من عمله يرجى له به، و المؤمن لا يهلك كله، و لا يذهب جملة واحدة، أو لإشفاقه عليه أو لتواضع العالم و الصالح في نفسه، فيراه في كل حال فوقه، أو لأجل الستر عليه لئلا يلحقه النقص و الشين من الغير، فهذه طرقات الإخوان، فيها حسن نيات، و ينبغي على ذلك أن تعلمه ما جهل مما هو به أعلم، فيعينه بعلمه كما يعينه بماله، فإنّ فقر الجهل أشد من فقر المال، و إنّ الحاجة إلى العلم ليست بدون الحاجة إلى المال و كان الفضيل يقول: إنما سمّي الصديق لتصدقه و الرقيق لترفقه، فإن كنت أغنى منه فأرفقه بمالك، و إن كنت أعلم منه فأرفقه بعلمك، و ينبغي أن ينصح له فيما بينه و بينه، و لا يوبخه بين الملإ و لا يطلع على غيبه أحدا، فقد قيل: إنّ نصائح المؤمنين في آذانهم. و قال جعفر بن برقان: قال لي ميمون بن مهران: قل لي في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره، فإن كان أخوه الذي نصح له صادقا في حاله، أحبه على نصحه، فإن لم يحبه و كره ذلك منه دلّ على كذب الحال. قال الله سبحانه و تعالى في وصف الكاذبين: وَ لكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٧٩]. و قد كان بعض الصالحين يقول: أحب الناس إلي من أهدى عيوبي. و قد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: و يأمر الإخوان بذلك رحم الله امرأ اهتدى إلى أخيه عيوب نفسه، و لكن قد قيل لمسعر بن كدام: تحب من يخبرك بعيوبك، فقال: إن نصحني فيما بيني و بينه فنعم، و إن قرعني في الملإ فلا، و من أخلاق السلف قال: كان الرجل إذا كره من أخيه خلقا عاتبه فيما بينه و بينه أو كاتبه في صحيفة، و هذا لعمري فرق بين النصيحة و الفضيحة فما كان في السر فهو نصيحة، و ما كان على العلانية فهو فضيحة، و قلما تصح فيه النية لوجه الله تعالى، لأن فيه شناعة، و كذلك الفرق بين العتاب و التوبيخ، فالعتاب ما كان في خلوة. و التوبيخ لا يكون إلّا في جماعة، و لذلك يعاتب الله عزّ و جلّ رجلا من المؤمنين يوم القيامة تحت كنفه، و يسبل عليه ستره فيوقفه على ذنوبه سرّا، و منهم من يدفع كتاب عمله مختوما إلى الملائكة الذين يحفرون به إلى الجنة، فإذا قاربوا دخول الجنة، دفعوا إليهم الكتب مختومة فيقرءونها، و أما أهل التوبيخ فينادون على رءوس الأشهاد، فلا يخفى على أهل الموقف فضيحتهم، فيزداد ذلك في عذابهم. و كذلك الفرق بين المداراة و المداهنة، فالمداراة ما أردت به وجه الله تعالى و طريق الآخرة، من دفع عن دين و قصدت به سلامة أخيك من الإثم و صلاح قلبه للَّه تبارك و تعالى، و المداهنة ما اجتلبت به دنيا و أردت به حظ نفسك، و كذلك الفرق بين الغبطة