قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٣٧٢ - الفصل الرابع و الأربعون في كتاب الأخوة في الله تبارك و تعالى، و الصحبة و المحبة للإخوان فيه، و أحكام المؤاخاة و أوصاف المحبين
بهم، فيقول لهم: لا تملّوا الشيخ، فكان الحسن إذا علم ذلك يقول: دعهم يا لكع، فإنهم أحب إلي منكم، فهؤلاء يحبوني للَّه عزّ و جلّ و أنتم تريدوني للدنيا. و قال أبو معاوية الأسود: إخواني كلهم خير مني، قيل: و كيف ذاك قال كلهم يرى الفضل لي عليه، و من فضلني على نفسه فهو خير مني. و قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: المرء على دين خليله، و لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه. و كان الأعمش يقول: من أخفى عنا بدعته لم يخف عنا ألفته، أي ينظر إلى إخوانه الذين يألفهم، فيستدل عليه بهم. و قد روى الأصمعي عن مجاهد عن الشعبي قال: قال عليّ بن أبي طالب: كرم الله وجهه لرجل و كره له صحبة رجل رهق فقال شعرا: لا تصحب أخا الجهل و إياك و إياه فكم من جاهل أردى حليما حين آخاه يقاس المرء بالمرء إذا ما هو ما شاه و للشيء من الشيء مقاييس و أشباه و للقلب على القلب دليل حين يلقاه و أنشد محمد بن جامع الفقيه شعرا: تذلل لمن إن تذللت له يرى ذاك للفضل لا للبله و جانب صداقة من لا يزال على الأصدقاء يرى الفضل له و أنشدنا لبعض الأدباء: كم من صديق عرفته بصديق صار حظي من الصديق العتيق و رفيق رأيته في طريق صار عندي محض الصديق الحقيقي و روينا عن الحسن بن عليّ عليهما السلام في وصف الأخ كلاما رجزا جامعا مختصرا: إن أخاك الحق من كان معك و من يضر نفسه لينفعك و من إذا ريب الزمان صدعك شتت شمل نفسه ليجمعك و لا تصحّ مؤاخاة مبتدع في الله تعالى، و لا محبة فاسق يصحب على فسوقه، و لا محبة فقير أحب غنيا لأجل دنياه، و لا ما يناله من عاجل مهناه، و قد تصح المحبة بين الغني و الفقير، و توجد الأخوة إن لم يقم الغني بحقوق أخيه، إذا آثره أخوه بما يحب أن يؤثره به، فلم يفتضه. و قد تصح الأخوة بين العالم و الجاهل، و بين الصالح و الطالح لأجل التدين من