قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤ - فهرس الجزء الثاني شرح مقام التوكل و وصف أحوال المتوكلين و هو المقام السابع من مقامات اليقين
التوكّل المبارك فما لي منه إلا مشام الريح. و قال لقمان في وصيته لابنه: و من الإيمان باللَّه عزّ و جلّ التوكّل على الله، فإن التوكل على الله يحبّب العبد، و إن التفويض إلى الله من هدي الله، و بهدي الله يوافق العبد رضوان الله، و بموافقة رضوان الله يستوجب العبد كرامة الله. و قال لقمان أيضا: و من يتوكّل على الله، و يسلّم لقضاء الله، و يفوّض إلى الله، و يرضى بقدر الله، فقد أقام الدين و فرغ يديه و رجليه لكسب الخير و أقام الأخلاق الصالحة التي تصلح للعبد أمره. و قال بعض علماء الأبدال، و هو أبو محمد سهل: العلم كلّه باب من التعبّد، و التعبّد كلّه باب من الورع، و الورع كلّه باب من الزهد، و الزهد كلّه باب من التوكّل. قال: فليس للتوكّل حدّ و لا غاية تنتهي إليه. و قال أيضا في قول الله عزّ و جلّ: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود: ٧]. قال أصدق توكلا. و قال: التقوى و اليقين مثل كفّتي الميزان و التوكل لسانه، به تعرف الزيادة و النقصان. و سئل عن قول الله عزّ و جلّ: فَاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]. قال: بإظهار الفقر و الفاقة إليه. و سئل عن قوله تعالى: اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] فقال: اعبدوه بالتوكّل. و قال أبو يعقوب السوسي: لا تطعنوا على أهل التوكّل فإنهم خاصّة الله الذين خصّوا بالخصوصية فسكنوا إلى الله، و اكتفوا به، و استراحوا من هموم الدنيا و الآخرة. و قال: من طعن في التوكّل، فقد طعن في الإيمان لأنه مقرون به، و من أحبّ أهل التوكّل فقد أحبّ الله تعالى. فأوّل التوكّل المعرفة بالوكيل و أنه عزيز حكيم، يعطي لعزّه، و يمنع لحكمه، فيعتزّ العبد بعزّه و يرضى بحكمه. و كذلك أخبر عن نفسه و نبّه المتوكّلين عليه فقال سبحانه: وَ من يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ٤٩] عزّ من أعزّ بعطيته و نظر لمن منعه بحكمته، فإذا شهد العبد الذليل الملك الجليل قائما بالقسط و التدبير و التقدير، عنده خزائن كلّ شيء، و كلّ شيء عنده بمقدار لا ينزله إلا بقدر معلوم، و شهد الوكيل قابضا على نواصي المماليك له خزائن السموات من الأحكام و الأقدار الغائبات، و له خزائن الأرض من الأيدي و القلوب و الأسباب المشاهدات. فخزائن السموات ما قسمه من الرزق، و خزائن الأرض ما جعله على أيدي الخلق، و في السماء رزقكم و ما توعدون، و في الأرض آيات للموقنين، و لكن المنافقين لا يفقهون فأيقن العبد أن في يده ملكوت كلّ شيء و أنه يملك السمع و الأبصار و يقلب القلوب و الأيدي تقليب الليل و النهار، و أنه حسن التدبير و الأحكام للموقنين، و أنه أحكم الحاكمين و خير الرازقين. و من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون. ثم استوى على العرش يدبّر الأمر، ما من شفيع إلّا من بعد إذنه، عندها نظر العبد الذليل إلى سيده العزيز، فقوي